النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ثورة على الثورة

رابط مختصر
العدد 8173 الجمعة 26 اغسطس 2011 الموافق 26 رمضان 1432

بسقوط النظام الذي أقامته - منذ عام 1969 - ثورة الفاتح من سبتمبر الليبية هذا الأسبوع، قبل عشرة أيام من الاحتفال بعيدها الثاني والأربعين، يصل عدد النظم الثورية العربية، التي حكمت الوطن العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وأسقطتها ثورات أخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلى ثمانية أنظمة في عين العدو.. فقد سقطت ثورة 25 مايو 1969 السودانية التي قادها جعفر النميري في عام 1986، وسقطت الثورة الصومالية التي قادها محمد زياد بري - في أواخر الثمانينيات - وأخذتها ثورة اليمن الجنوبي من قصيرها، وقررت أن تصفي نفسها، وأن تتخلى عن الماركسية الليبية، وأن تتوحد مع النظام الذي أقامته ثورة 26 سبتمبر 1962، في اليمن الشمالي، وسقطت الثورة الجزائرية المعروفة باسم ثورة المليون شهيد، عام 1992، وفي عام 2003 سقط النظام الذي أقامته ثورة تموز العراقية بقيادة حزب البعث العراقي قبل شهور من احتفالها بعيدها الخامس والثلاثين، وفي 16 يناير من هذا العام سقطت ثورة التصحيح الثانية التي قادها «زين العابدين بن علي»، وفي 11 يناير من العام نفسه، أسقطت آخر حلقة من حلقات ثورة 23 يوليو 1952. وإذا صحت النبؤات التي تتوقع سقوط النظام السوري الذي أقامته ثورة 8 فبراير 1963، بقيادة حزب البعث السوري، وسقوط النظام اليمني الذي أقامته ثورة 26 سبتمبر 1962، تكون كل الأنظمة الثورية العربية العشر، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، قد اختفت عن الخريطة السياسية للوطن العربي، وأجلينا عنها، بناء على رغبة شعوبها، وبعد ثورات وانتفاضات شعبية قامت بثورة على الثورة! ولا مفر من التسليم بأن هذه النظم الثورية العشرة، قد قدمت لشعوبها وأوطانها بعض ما ينبغي أن يذكر فيشكر، فقد ساهمت إلى حدّ كبير في تحقيق - أو استكمال - الاستقلال الوطني، وإنهاء الاحتلال الأجنبي المباشر للأراضي العربية، وحاولت أن تحقق مستوى من التنمية الاجتماعية والاقتصادية لشعوبها، ولا مفر من التسليم - كذلك - بأن هناك أسباباً متعددة ومعقدة، وراء هذه الموجة من الثورة على الثورة تختلف بين كل نظام ثوري والآخر.. أما المؤكد فهو أن هناك أسباباً مشتركة بين هذه النظم الثورية العشر، وهي التي جعلت الشعوب العربية، تبدأ باستقبال قادة هذه الثورات بالزغاريد، وتحتشد حول مواكبهم وهي تهتف «بالروح بالدم نفديك يا فلان»، وترفع صورهم فوق هاماتها، وتنتهي بالانضمام إلى الثورة على الثورة، والاحتشاد في المليونيات التي ترفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» وتودعهم باللعنات، وتضرب صورهم بالأحذية القديمة.. وتحولهم من قادة ثورة خالدة إلى قادة نظام بائد، وتشطب أسماءهم من كتب التاريخ باعتبارهم فلول ثورة مضادة. أول هذه الأسباب أن هذه الثورات قد قامت في مواجهة نظام استعماري ظل يحاول الاحتفاظ بهيمنته على مستعمراته السابقة، فتعرضت - في البداية - لمؤامرات محلية ودولية، دفعتها لتأسيس النظم الثورية التي أقامتها على قاعدة تقول إن تأمين النظام والحفاظ على استقراره، وتحصينه ضد مؤامرات الثورة المضادة، هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف الثورة، فكان تدعيم وتحديث أجهزة الأمن السياسي التي ورثتها عن النظم البائدة. ومع الزمن تضخمت هذه الأجهزة بسبب توالي مؤامرات الثورة المضادة، التي كانت تكتشفها أو تصطنعها، حتى أصبحت حزب الثورة الحقيقي، الذي تتربي فيه الكوادر التي تتولي المناصب السياسية والإدارية العليا، ويختار النواب وقادة الرأي العام، سواء كان هناك حزب آخر للثورة، أو لم تكن هناك أحزاب على الاطلاق، وهي السمة الغالبة على النظم الثورية موديل خمسينيات القرن الماضي، وباتساع نفوذ أجهزة الأمن واطلاق يدها في إدراج من تشاء في قوائم الثورة المضادة، شملت هذه القوائم كل صاحب رأي مختلف، من بين صفوف أنصار الثورة وأصحاب المصلحة فيها من المواطنين.. حتى استقر في الفقه الثوري العربي الحكم بأن المواطن هو الذي ينتمي للأغلبية الصامتة وأن المواطن الثوري هو الذي ترضي عنه، أو تستعين به أجهزة الأمن. وما لبثت سياسة تأمين الثورة، أن تحولت - كما يقول الفريق محمد فوزي في مذكراته - إلى تأمين للنظام، ثم إلى تأمين للقائمين علي النظام، ثم إلى تأمين لأجهزة الأمن التي تقوم بالتأمين، واحتشدت السجون والمعتقلات والمنافي بأصحاب الآراء المخالفة، وازداد إحساس المواطنين العاديين الذين احتشدوا وراء هذه الثورات، لأنها وعدتهم بأنها ستحررهم من الطغيان ومن حكم الأجهزة البوليسية الذي كان يجثم على أنفاسهم في ظل الأنظمة البائدة، بأن هناك من يحصي عليهم أنفاسهم ويكمم أفواههم، كما كان يحدث لهم في ظل الأنظمة التي أبادتها هذه الثورات. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت هذه الجماهير إلى أن تقوم بثورة على الثورة، وأن تحول النظام الثوري في عشر دول عربية، إلى نظام بائد، وتمنح قادته لقب فلول الثورة المضادة. ولأنه ليس السبب الوحيد، فإن أهم ما ينبغي أن يشغل الذين قادوا الثورة على الثورة، هو البحث عن الأسباب التي تحول الثورات إلى ثورات مضادة، وتشجع الذين يتحمسون لها في البداية، إلى تحويلها من نظام ثوري إلى نظام بائد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها