النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

تصبحون على انتصار!!

رابط مختصر
العدد 8171 الأربعاء 24 اغسطس 2011 الموافق 24 رمضان 1432

استوقفني ذات صباح من صباحات هذه الأيام الضاجة بروائح ما أفرزتها شعارات الدوار الكريهة المتشبعة بتداعيات مشهده الكئيب الذي نجد مخلفات وجعه وأثر تشوهاته على وجوه أبناء هذا البلد الذين لم يكونوا في يوم من الأيام في مثل هذا المزاج على الإطلاق، في حين كانت هذه الوجوه قبل الرابع عشر من فبراير، على العكس من ذلك، إذ كانت مترفة بالحب وتفيض بِشرًا وتمتلئ حبورا، وتشع أملا، استوقفني في ذلك الصباح صديق قَدِمَ من تونس إلى البحرين ليعطيها مما توافر عليه في بلاده من علم وخبرة ومما أضاف إليهما من بلاد الغرب من مكتسبات وتجارب عملية، قائلا لي في لوعة ومرارة «لو سمحت يا صديقي تعال أريك شيئا، أرجو أن يكون لديك من الوقت ما يسعفني ويكفيك لأستعرض معك بعضا من الرسائل الالكترونية التي استقبلها جهازي البلاك بيري في الأيام القليلة الماضية، وأصارحك أنها المرة الأولى مذ قدمت إلى مملكة البحرين التي يستدخل فيها الجهاز مثل هذه الرسائل، وهي رسائل صاخبة بطائفية لم أعهدها أنا وكذلك أهلي في بلد النشأة تونس، بصراحة أقول لك إن ما خبرناه عن تاريخ البحرين وسماحة شعبها لمختلف جذريا عما عاينته وعانيته هذه الأيام». سألته قبل أن يباشر باطلاعي على الرسائل، ويدهمني بحقيقة الشخصية البحرينية التي أراها تتشكل في أفق التيه، وفي منأى عن الحقل التربوي، وعما خبره المجتمع من مؤسساته الاجتماعية التي كان التسامح كقيمة إنسانية بوصلتها لبلوغ الغايات والمقاصد الاجتماعية المشتركة التي وجدناها ماثلة في سلوكات أجدادنا وآبائنا من دون أن يتعلموها في المدارس أو يقرؤوها في أدبيات حقوق الإنسان ومنشوراتها، وسلكنا نحن مدارجها ونسجنا وفقها علاقات اجتماعية عميقة كانت سببا في سيادة السلم الأهلي وتعمق الوحدة الوطنية، حتى صار، التسامح، وصفة البحرين العلاجية التي تصدرها للدول المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب، سألته «هل كل هذه الرسائل كانت مرسلة إليك شخصيا؟» قال «لا، إنها رسائل مرسلة إلى ابني البالغ من العمر ثماني سنوات من طفل بحريني في مثل عمره يتشارك معه الفصل الدراسي، ولو كانت مرسلة إليّ لكان الأمر أخف عليّ من مواجهة أسئلة ابني.» لقد هالني حقيقةً ما قرأت، كيف لطفل في مثل هذا العمر أن يكون محشورا في الشأن السياسي المفضي إلى تخلق موقف طائفي لديه ليتخذ منه مسارا يعمق الشق الطائفي، ويزيد من الشرخ الاجتماعي. إنه موقف أعمى مضاد لمصالح الفئات الأخرى في المجتمع، الفئات التي ينبغي أن يتربى الطفل على احترامها وحبها، مثلما ينبغي على الطفل في الطائفة الأخرى أن يحذو ذات الحذو ليستقيم البناء الاجتماعي.» وأضاف في نبرة الأب الذي يحرص على أن يغرس القيم الاجتماعية النبيلة في سلوك ابنه، ويستشيط غيظا إن أتى من السلوكات ما يتعارض مع هذه القيم النبيلة، «المشكلة يا أخي أننا في تونس لا نسمح للأطفال بأن ينشغلوا بما ليس لهم دخل فيه، كما أن الحقد بين فئات المجتمع لا يشكل ظاهرة، ولعل ذلك يفسر بأننا نسيج اجتماعي واحد، رغم قناعتي أن التعددية الطائفية والإثنية والمذهبية هي مصادر إثراء للتطور الاجتماعي. كما أننا نحرص على أن تكون تربيتنا لأبنائنا منطلقة من قناعات اجتماعية تأسست في ضوء مشروع مدني حداثي نشأ مع نشأة الدولة الحديثة التي أسسها الحبيب بورقيبة، وجعل من التعليم بوابة للنجاح الفردي، ومدخلا واسعا للثراء الاجتماعي.» لن أستعرض هنا ما قرأته، ولن أبوح بمعانيه التي أنا متأكد من عدم قبولكم بها مثلما هي غير مقبولة اجتماعيا ولا تربويا من كل فئات الشعب البحريني، لأنها ببساطة تتعارض مع أخلاقنا ومستفزة وتثير السخط تجاه نوع التربية التي تلقاها هذا الطفل، وتتصادم مع أسس تربيتنا. إن ما قرأته يدمي القلب حقيقة، لكني سأختار تعبيرين تكررا في كل رسائل الطفل البحريني ذي الثماني سنوات إلى صديقه التونسي وهما «صباح النصر!» استفتاحا و»تصبحون على انتصار!» خاتمة وأسألكم بالله عليكم هل فيكم من يستطيع أن يجد طفولةً في هذا التعبير؟ في إشارتي إلى التعبيرين، الاستفتاح والخاتمة، اللذين ختم بهما الطفل كل رسائله التي يبعث بها إلى الطفل التونسي «تصبحون على انتصار» وددت أن أقول بأن هذه الجملة أثارت فضول الطفل التونسي ليسأل أبيه «من ينتصر على من؟» فعلا إنه لسؤال محيّر فعلا. والسؤال هنا من انتزع طفولة صغارنا وزج بهم في أتون السياسة في هذه السن المبكرة من أعمارهم؟ أعرف أن السؤال أكبر من أن يجاب عليه في مقالة وأنه يحتاج بحثا يتقصى المتسببين تاريخيا أفرادا وجماعات، مذاهب ومؤسسات، ولكني في عجالة أقول ان عددا من أولياء الأمور أخذت منهم الحماسة الطائفية مأخذا جعلهم يرضعون أبناءهم حليب الطائفية وكراهية الآخر وهو ما عززته جمعية المعلمين التي لا ينكر أحد الدور السيء الذي كان لها في الأحداث الأخيرة حين زجت بالأطفال في جحيم الجدل السياسي وحرصت على تواجدهم في «ورشة» الدوار ليكتسبوا قسطا وافرا من «المعرفة» في صياغة الشعارات الطائفية كتلك التي أتقنها الطفل البحريني وراح يرسلها من دون وعي منه بمعانيها إلى الطفل التونسي. عموما عاودني سؤال الطفل التونسي لأبيه «من ينتصر على من؟» ونشر قمامته السوداء لتحجب عني سطح الورقة التي فيها أكتب فتركت القلم معلنا انضمامي إلى والد الطفل بتسجيل عجزي عن الإجابة على السؤال، ودلفت مهجعي متمنيا لكل الناس أن تنتصر على نفوسها، لأن الناس أعداء ما جهلوا. مع أمنياتي أبدا أن تنام الناس دائما هانئة وتصبح على انتصار!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها