النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فيما خص مرونة السياسات الخارجية الهندية

رابط مختصر
العدد 8168 الأحد 21 اغسطس 2011 الموافق 21 رمضان 1432

يـــُعتقد على نطاق واسع أن ما تحظى به الهند اليوم من حضور على ساحة السياسية الدولية، وتسابق القوى العالمية والإقليمية المؤثرة على كسب ودها وتعاونها، إنما يعود في أحد أسبابه إلى ما تتمتع به السياسات الخارجية لهذه الدولة من مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات أيا كان شكلها. وقد رأينا ولمسنا ذلك بجلاء وقت ظهور تباشير تفكك حليفتها الاستراتيجية الأولى، أي الاتحاد السوفيتي، في مطلع تسعينات القرن المنصرم. فبينما كانت دول كثيرة من تلك الدائرة في فلك موسكو في حالة قلق وانتظار وترقب لما سوف تسفر عنه متغيرات تلك الحقبة، ممنية النفس ببقاء الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي والثنائية القطبية، كانت الهند قد حزمت أمرها وانتقلت بسلاسة وحرفية من حليف لموسكو إلى حليف لواشنطون، متخذة من الأخيرة شريكا اقتصاديا واستراتيجيا، مع ترك الباب مفتوحا أمام الدولة الوريثة للسوفييت أي روسيا الاتحادية لاستمرار التعاون في حال رغبتها في ذلك. على أن المرونة التي نتحدث عنها في علاقات الهند الخارجية مع الآخر لم يكن أمرا طارئا أو وليدة اللحظة، وإنما كانت ضمن صميم السياسات الخارجية التي رسمها وصاغها أول رؤساء الحكومات الهندية (جواهر لال نهرو) قبل إعلان استقلال الهند رسميا. فبالعودة إلى الوثائق التاريخية لسنوات ما قبل الاستقلال، وما سطره نهرو بنفسه من أفكار ومرئيات في مذكراته الشخصية وخطبه السياسية ورسائله إلى ابنته الوحيدة «أنديرا غاندي» من داخل المعتقل، نكتشف أن نهرو كان مستوعبا لظروف الهند الداخلية والخارجية وما يحيط بطموحاتها من تعقيدات لجهة لعب دور عالمي يتناسب مع موقعها الاستراتيجي، ومواردها المتنوعة، وحضارتها القديمة، وكفاحها الطويل ضد الاستعمار البريطاني، ناهيك عن إلمامه بالأخطار المحدقة ببلاده من قوى الاستعمار الجديد وأطماع وتهديدات جارتيها الصينية والباكستانية. وبالتالي لا يمكن فهم مبادرته المبكرة لعقد أول قمة أفروآسيوية في «باندونغ» الإندونيسية في عام 1955، وما تلا ذلك في عام 1960 من وقوفه وراء فكرة «حركة عدم الإنحياز» ومبدأ «الحياد الإيجابي» إلا في هذا السياق. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن نهرو رأى أن مبدأ عدم الإنحياز والحياد الإيجابي سوف يعطي لبلاده موقعا لجهة التأثير في شئون العالم وشجونه، ويحول (شكليا على الأقل) دون استفراد القوتين العظميين الإمريكية والسوفيتية بمصير العالم، ويخلق نوعا من توازن القوة في شبه القارة الهندية لصالح بلاده، ويوفر للهند فرصة تلقي المعونات الاقتصادية والتنموية من كلا قطبي الحرب الباردة في الوقت نفسه. وقد تلازمت سياسات نهرو هذه بإيمانه العميق بدور منظمة الأمم المتحدة كمحفل عالمي يذود عن كفاح الشعوب المستضعفة، ويرسخ مبادئ العدالة والسلم في العالم بأسره دون تمييز، ويجد الحلول الملائمة للقضايا الدولية دون إنحياز. لكن تلك السياسات النهروية المبنية على الأخلاقيات والتمنيات والقدرة على التحرك هنا وهناك من أجل التأثير، ما كانت لتصمد في عالم تسوده الاستقطابات والأحلاف العسكرية وسباق التسلح والتنابذ الإيديولوجي المرير. لذا قيل إن أحد أسباب وفاة الرجل في عام 1964 هو إصابته بالإحباط من فشل سياساته الخارجية، ومن هزيمة بلاده عسكريا أمام الصين في الحرب الحدودية الهندية – الصينية القصيرة في عام 1962 والتي كشفت له كيف أن أقرب حلفاء الهند الإقليميين لم يهبوا لنجدتها إلا لفظيا، فيما لم تحرك موسكو أو واشنطون ساكنا رغم خلافاتهما الإيديولوجية العميقة مع بكين. وحينما تولت ابنته «أنديرا غاندي» مقاليد السلطة في نيودلهي من بعد فترة قصيرة شغل فيها منصب رئاسة الحكومة المخضرم «لال بهادور شاستري»، واندلعت أثناءها الحرب الهندية – الباكستانية الثانية، التزمت السيدة غاندي بسياسات خارجية جديدة قوامها الواقعية والمصلحة الوطنية العليا وليس المبادئ الأخلاقية، وركيزتها الأولى الاقتصاد وليس الإيديولوجيا، الأمر الذي اعتبره البعض دليلا آخر على مرونة السياسات الخارجية الهندية وقدرتها على التكيف مع المستجدات. تلك المستجدات التي تمثلت وقتذاك في فقدان حركة عدم الإنحياز لثقلها بوفاة أبرز رموزها (نهرو) أو طردهم من السلطة (كما حدث لنكروما في غانا، وأونو في بورما، وسيهانوك في كمبوديا، وسوكارنو في إندونيسيا)، أو تضاؤل تأثيرهم الإقليمي (كما حدث لعبدالناصر في أعقاب حرب حزيران 1967 مثلا)، ناهيك عما حدث على الصعيد الاقتصادي بارتفاع أسعار النفط وبروز منتجيه كلاعبين لا يمكن إغفالهم. وقد ورث ابن غاندي، رئيس الحكومة الأسبق «راجيف غاندي» تلك السياسات الخارجية الواقعية من والدته فسار على دربها موثقا روابط بلاده شرقا وغربا وجنوبا وشمالا دون أدنى اعتبار للعوامل الأيديولوجية. وتعتبر جولته في عام 1988 إلى الصين واليابان وأستراليا ودول جنوب شرق آسيا بمثابة البذرة الأولى لما سوف يـُعرف في عهد خليفته «ناراسيمها راو» بـ «سياسة التوجه شرقا»، والتي استعارتها لاحقا دول أخرى كدول مجلس التعاون الخليجي مثلا. وهذه السياسة التي تعني بإيجاز توثيق الصلات والروابط بصورة منهجية وعقد شراكات استراتيجية بعيدة المدى في مختلف الحقول مع مجموعة «آسيان» الجنوب شرق آسيوية وغيرها من دول الشرق الأقصى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين، كانت في صدارة اهتمامات «ناراسيمها راو» الذي صاغ سياسات الهند الخارجية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الشرقي، وقاد بلاده، بالتعاون مع وزير اقتصاده وقتذاك/ رئيس الحكومة الحالية الدكتور «مانموهان سينغ» إلى الاقتصاد الحر بدلا من النهج الاشتراكي الذي قيـــّد على مدى عقود من الزمن طموحات ومواهب الشعب الهندي الخلاقة. والحقيقة أن سياسة «التوجه شرقا» لا تزال في صلب اهتمامات صانع القرار الهندي، وذلك من منطلق أن تكتل «آسيان» يمثل ثقلا اقتصاديا لا يمكن الاستهانة به، ناهيك عن أن دول جنوب شرق آسيا، ولاسيما أقطار الهند الصينية التي انضمت إلى التكتل بعد إطلاقه بسنوات، لا تزال زاخرة بفرص الاستثمار والأسواق الواسعة والقدرات الشرائية العالية، وغير ذلك من العوامل التي يمكن للهند استغلالها بما تمتلكه اليوم من إمكانيات اقتصادية واستثمارية وعلمية وتكنولوجية. ومن هنا جاءت مبادرة التعاون الهندية المسماة «ميكونغ – غانغ»، (في إشارة إلى أكبر نهرين يجريان في الهند الصينية والهند على التوالي) والتي رحبت بها منظومة آسيان ترحيبا حارا. ويعتقد صانع القرار الهندي أن نجاح الهند في دول منظومة آسيان أمر مؤكد ليس فقط بسبب آسيوية الهند، وإنما أيضا بسبب روابطها التاريخية والثقافية والإنسانية الموغلة في القدم مع هذه الأمم وشعوبها، وهو ما لا يتوفر لدول أخرى مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية وأستراليا. والحال أنه مع بزوغ الهند كقوة صاعدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وعلميا وتكنولوجيا في الألفية الثالثة، فإن لدول منظومة آسيان مصلحة مؤكدة في التعاون مع الهند في مختلف المجالات من أجل نمو اقتصادي أسرع، بل وأيضا من أجل أهداف أخرى لا تقل أهمية مثل ضمان الأمن والاستقرار في المحيط الهندي وامتداداته البحرية، وإشاعة الديمقراطية والتعددية، واحترام حقوق الإنسان. غير أن من قد يقف في الطريق هم الصينيون الذين لا يرغبون أن يشاركهم أحدا النفوذ والتأثير في منطقة جنوب شرق آسيا، خصوصا مع وجود كتل بشرية ضخمة في المنطقة من ذوي الأصول الصينية. * باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها