النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

شعب يناير قال بثبات..

رابط مختصر
العدد 8166 الجمعة 19 اغسطس 2011 الموافق 19 رمضان 1432

شغفت بقراءة المحاكمات السياسية منذ مطلع صباي، وبمتابعتها ـ متهما أو متضامنا مع متهمين آخرين ـ في مطلع شبابي، وهويت ـ فيما بعد ـ جمع ملفات تحقيقات النيابة في القضايا الكبري، جنائية وسياسية وفكرية.. وكان ذلك أحد أهم أسباب حرصي على متابعة محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك، على شاشة التليفزيون، وبحثي عن وسيلة أضم بها ملفات تحقيقات النيابة فيها، إلى عشرات من ملفات القضايا التي جمعتها على مدى العمر، واتخذت منها مصدرا لبعض كتبي، وآخرها كتاب «مأساة مدام فهمي» ـ الذي صدر هذا الأسبوع لا لكي أمارس مشاعر الانتقام والتشفي وغيرهما من المشاعر البدائية الفجة التي تحيط بهذه القضية، والتي لا صلة لها بالسياسة أو بالثورة، ولكن لكي أبحث بين أوراقها عن الثغرات القانونية والإجرائية والممارسات السياسية والأعراف الاجتماعية، التي ينفذ منها الفساد والاستبداد، ليكون سدّها هو أهم ملامح النظام البديل الذي تقيمه الثورة، علي أنقاض النظام الذي سقط. ذكرني الجدل الذي دار في الجلسة الأخيرة حول قوائم الشهود التي يطلبها الدفاع عن المتهمين أو عن المدعين بالحق المدني، وحول قرار المحكمة بوقف البث التليفزيوني للجلسات، ببعض وقائع المحاكمة في قضية التحريض على انتفاضة الطعام في 18 و19 يناير 1977، وكنت من بين المتهمين فيها، وأيامها لم يكن هناك بث تليفزيوني أرضي أو فضائي محلي أو أجنبي للمحاكمات، والصحف القومية المملوكة لها، هي التي تتابع جلسات المحاكمة في تغطيات مختصرة، تقتصر على أقوال شهود الإثبات دون شهود النفي، وعلى مرافعات النيابة دون مرافعات الدفاع. ومع أن عشرة من الصحفيين العاملين في هذه الصحف، كانوا من بين المتهمين في القضية، فإنها لم تراع حقوق الزمالة، ولم يتورع بعض كتابها عن التحريض ضدهم وضد غيرهم، بما في ذلك صحفيون لم يتهموا في القضية، وكتب أحدهم مقالا يتهم فيه «أحمد بهاء الدين» بأنه الذي خطط لكل ما حدث في هذين اليومين من تخريب، وطالب بإدراج اسمه في قرار الاتهام. وتصدت مجلتا «روزاليوسف» و«الطليعة» لهذه الحملة، مطالبة الصحف بترك الأمر للقضاء حتى يبت فيه، فصدر قرار بعزل رئيسي تحريرهما «صلاح حافظ» و«لطفي الخولي» وكان الرئيس السادات لا يكف عن إلقاء الخطب والادلاء بالتصريحات الصحفية، معلنا بشكل شبه يومي أنه سيظل يطارد الذين حرضوا على أحداث 18 و19 يناير حتي آخر العمر وآخر الأرض.. من دون أن يلفت أحد من مستشاريه نظره، إلي أنه بما يفعل يخالف الدستور، ويتدخل علنا ـ وبصفته رئيس السلطة التنفيذية ـ في عمل السلطة القضائية، ويبدي رأيا في قضية لا تزال منظورة أمام القضاء. وفي الرد على هذه الحملة الإعلامية الشرسة، بدأنا باستغلال المسافة التي كنا نقطعها بسيارة الترحيلات من سجن «أبوزعبل» إلى محكمة جنوب القاهرة بباب الخلق وبالعكس في ترديد هتافات تلفت نظر المواطنين إلى قضيتنا، يسمعها عشرات الآلاف ممن يمرون في الشوارع التي تقطعها سيارة الترحيلة.. كان من أبرزها شعار «شعب يناير قال بثبات يسقط حكمك يا سادات».. ولما فشلت كل محاولات الشرطة في الحيلولة بين هذا الهتاف وغيره وبين الوصول إلي أسماع المواطنين، بما في ذلك تغيير مسار سيارة الترحيلات بحيث لا تمر في الشوارع المزدحمة، حاولت إرهابنا بتقديم بلاغات إلي النيابة العامة تتهمنا بأننا نردد دعايات مثيرة من شأنها تكدير السلم العام، ولكن النيابة لم تحفل بها، أو تحقق معنا فيما ورد بها. حين أفرج عنا بعد شهور على ذمة القضية كنا نردد هذا الهتاف وغيره، في قاعة المحكمة قبل انعقاد الجلسة وأثناء الاستراحة، وفي خروجنا بعد انتهائها، حتى أصبحت سمة مميزة من سمات المحاكمة وما تلاها من محاكمات سياسية. وخلال ذلك كنت ـ بالتعاون مع لجنة الحريات بحزب التجمع ـ أصدر نشرة صحفية تطبع بطريقة الجستتنر البدائية، تضم موجزًا لوقائع الجلسات، كنا نوزعها على الصحف والوكالات، ومع انتهاء جلسات الإجراءات فكرت في أن أسجل وقائع المحاكمة على شرائط كاسيت صوتية وساعدني د. عصمت سيف الدولة المحامي، بأن طلب من المحكمة أن تأذن لهيئة الدفاع بتسجيل وقائع الجلسات لتستعين بها في إعداد دفاعها فوافقت واستفدت من هذا الإذن في تسجيل وقائع المحكمة. وفي أثناء إحدى الجلسات وقعت أزمة بين الدفاع وبين المحكمة، إذ كان قد تقدم بقائمة طويلة من الشهود يطلب سماع أقوالهم يتصدرهم الرئيس السادات ووزير الداخلية والأمين العام للحزب الحاكم ووزير الدفاع.. وهو ما بدا أثناء مناقشة المحكمة للدفاع، أنها غير متحمسة له، وما كادت ترفض الطلب، حتى أعلن المحامون انسحابهم، وتعالت هتافاتنا تهز جنبات المحكمة تضامنا معهم وهي تقول شعب يناير قال بثبات.. يسقط حكمك يا سادات!.. وأثناء خروجي من باب المحكمة قابلني صديق صحفي كان في طريقه إلى دمشق في اليوم نفسه، فسلمته الشريط وفي مساء اليوم نفسه أذاعته إذاعة «مصر العربية» وهي إذاعة كانت دمشق تخصصها لمعارضي نظام السادات. في اليوم التالي أصدر رئيس المحكمة ـ المرحوم حكيم منير صليب ـ قرارا بحظر تسجيل الجلسات، واجتمع بهيئة الدفاع، ولفت نظرها إلي أنه ليس من مصلحة المتهمين فيها تسييس القضية بالمطالبة بشهود من كبار المسؤولين وأن عليهم أن يتعاملوا مع القضية باعتبارها قضية جنائية عادية، وسيجدون في أوراقها ما يفيد موكليهم.. ووافق المحامون.. واستأنفت المحكمة سماع شهود الإثبات، وفي ختام شهادة أحدهم، وهو موظف أمن بأحد المصانع جاء يشهد ضد عدد من عمال المصنع، قال للقاضي وهو يشير إلى المتهمين: الشرذمة اللي في القفص دي ليها أنصار في المصنع بتستفزني.. وأنا أطلب حماية المحكمة.. فقال له رئيس المحكمة: أحسن لك تطلب حماية الأغلبية اللي معاك! واندفعنا نضحك!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها