النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

هل يحقّ لي أن أنتقد أم كلثوم؟

رابط مختصر
العدد 8163 الثلاثاء 16 اغسطس 2011 الموافق 16 رمضان 1432

في كتابه «خارج المكان» يروي إدوارد سعيد عن ذكرى زيارته لحفلة من حفلات أم كلثوم في أواخر أربعينيات القرن الماضي، فيصف حفلتها بـ «النسق الغنائي الرتيب إلى حدّ مروّع في اتساق كآبته اللامتناهية وندبه اليائس»، ويصف صوتها بأنه «أشبه بالتأوّه والنحيب المتواصلين لامرئ يعاني نوبة حادّة من الألم المعوي»، كما يصف موسيقاها بأنها «جعجعة ألحان أحاديّة الصوت، موجعة ومملة في آن»! لم أستغرب كثيراً من هذا الانطباع الحادّ لإدوارد سعيد حول صوت أم كلثوم وأغانيها، لأنّ التنشئة التي نشأها هذا المفكّر الفلسطيني الأصل الأمريكي الجنسية علّمته أن يُبدي رأيه بمنتهى الصراحة والحيادية دون التعرّض لضغوط، أو دون الركون إلى المسلّمات الجاهزة أو التقيّد بانطباعات الأولين واعتبارها انطباعاً وحيداً لا يمكن تغييره أو مراجعته. ولم تكن أم كلثوم بكلّ الزخم الإعلامي الذي تحمله، وبكلّ الهالة التي تحيط بها، وبكلّ الشهرة التي اكتسبتها لتمنع إدوارد سعيد من التعبير عن رأيه فيها حتى ولو خالف رأيه الملايين من عشّاقها والمتيّمين بأغانيها، وحتى لو علم أنّ كثيراً من قرّائه العرب سوف لن يمرّ من أمامهم هذا الانتقاد مرور الكرام، وسيعتبرونه سُخفاً وهراءً، وفي أحسن الأحوال سيعتبرونه انطباعاً متسرّعاً من شخص تربّى على الموسيقى الغربية والألحان الأوروبية. وبنفس الدرجة من العنف ينتقد عالم الاجتماع العراقي علي الوردي معلّقة امرئ القيس، فيصفها بأنها «قصيدة شوهاء نظمها بدويّ مستهتر في قديم الزمان»، ويقول عنها «لست أدري ما هو نوع العظمة التي وجدوها في تلك القصيدة». ولم يسلم الوردي - خرّيج جامعة تكساس الأمريكية - من الهجوم العنيف عليه من الأدباء والأكاديميين العرب بسبب رأيه في قصيدة هذا الشاعر الجاهلي الذي أصبحت قصيدته درساً واجباً في المناهج الدراسية بدولنا العربية. يقول أبو الطيّب المتنبي: خُلقتُ أَلوفاً لو رجعت إلى الصِّبا لغادرتُ شيبي مُوجعَ القلبِ باكيا فشاعر العرب الأول يقول في بيته الشعري بأنّه إذا تعوّد على شيء يتعلّق به ولا يودّ التخلّي عنه إلى درجة أنه لو قُدّر إليه أن يعود إلى صباه لبكى على شيبه لأنه تعوّد عليه. وهذا وهو حال الإنسان العربي في أغلب الأحوال، وهذا هو حال الإنسان بشكل عام في المجتمعات التي تربّت على تقديس القديم وتعظيم شأن المألوف واستمراء الاعتياد. فما تعوّدنا عليه - نحن العرب - نتعلّق به وندافع عنه باستماتة حتى لو كنّا في عقلنا الباطن ضدّه. وقد يعتبر البعض هذه الخصلة درجة عالية من درجات الوفاء والبعض الآخر قد يعتبرها درجة من درجات السفه. فما الذي يجعل الفنان حسن يوسف - أيام شبابه وفتوّته - نجماً ذائع الصيت بالرغم من أدائه السيئ وتمثيله الرديء؟ وما الذي يجعل الراقصة فيفي عبده فنانة كبيرة تُفرد لها البرامج اليوم ويمنحها المنتجون البطولة المطلقة في المسلسلات رغم افتقادها لكلّ مؤهّل من مؤهلات النجومية والفنّ؟ ولا عجب والأمر كذلك أن نجد رواجاً كبيراً لدينا في مجتمعاتنا لبعض العبارات التي تعزّز من تقديس القديم وتعظيم المألوف كعبارة «إنها أسطورة لن تتكرّر» أو «لن يُنجب الزمان مثله» أو «من أنت حتى تنتقد هذا العملاق»، بينما الواقع يقول بأنّ الجيل الجديد من الطبيعي أن يكون أكثر علماً وثقافة وابتكاراً وإبداعاً وفنّاً من الجيل السابق، وهذا ما تثبته الأيام وتحدّث به الإنجازات الحديثة. فأهرامات الجيزة أين هي من برج خليفة الذي يعانق السحاب؟ هل يستطيع الفراعنة أن يبنوا نصف هذا البرج مثلاً؟ وهل هناك وجه مقارنة بين الإسطرلاب مثلاً وبين الآي باد؟ وهل يمكننا أن نعقد مفاضلة بين طائرة الأخوان رايت التي لا يمكنها أن تحمل سوى مسافرين اثنين، وبين الطائرات الحديثة التي بإمكانها نقل مئات المسافرين وأطنان الحقائب؟ بالطبع ذلك لا يدفعنا إلى أن ننكر فضل الأقدمين والإقرار بأسبقيتهم في الكثير من المجالات وبدورهم في فتح الأبواب الموصدة للأجيال القادمة. ولكنّ ذلك لا يعني أن نبقى أسيري أفكارهم، وأن تكون أسبقيتهم قيداً يحدّ من انطلاقنا العلمي وتحرّرنا الفكري، ويسلبنا حقّنا في التعبير عن رأينا في نتاجهم وابتكاراتهم وأعمالهم بمنتهى الحرّية والموضوعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها