النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

القطار الذي نقل الدفء إلى العلاقات السنغافورية – ا

رابط مختصر
العدد 8161 الأحد 14 اغسطس 2011 الموافق 14 رمضان 1432

على الرغم من تجاورهما جغرافيا، وتمازج شعبيهما ثقافيا واجتماعيا، واشتراكهما في إرث استعماري واحد، وعضويتهما في منظومة «آسيان» الجنوب شرق آسيوية، وارتباطهما باتفاقية الدفاع الخماسية التي تضم أيضا إندونيسيا وأستراليا ونيوزيلندة والمملكة المتحدة، ووصول تجارتهما البينية إلى 39 بليون دولار في النصف الأول من العام الماضي فقط، مرتفعة بنسبة 36 بالمئة عن مستواها في الفترة ذاتها من عام 2009 ، فإن روابط سنغافورة بجارتها ماليزيا ظلت طويلا تشكو من فقدان الحرارة والدفء، وتسودها الشكوك والهواجس غير المعلنة. ربما يعتقد البعض أن الأسباب تكمن في موقف رئيس حكومة سنغافورة الأسبق وباني معجزتها الاقتصادية الدكتور «لي كوان يو» في عام 1965 حينما أعلن انسحاب بلاده من الاتحاد الماليزي الوليد، تاركا كوالالمبور في موقف حرج، خصوصا وأن إندونيسيا بقيادة رئيسها الأسبق «أحمد سوكارنو» كان لا يكف وقتذاك عن وصف الاتحاد الماليزي بـ «صنيعة الإمبريالية الغربية»، بل ويبشر بقرب انهياره. ولا نود في هذه العجالة العودة إلى التاريخ لبيان أسباب انسحاب سنغافورة السريع من الاتحاد المذكور بعد سنتين من قيامه. فقد أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة وقلنا إن العوامل الإثنو دينية ما بين مسلمي الملايو وبوذيي سنغافورة من ذوي الأصول الصينية لعبت دورا حاسما في فك الارتباط، إضافة إلى عامل التنافس وغياب الثقة ما بين «لي كوان يو» ومؤسس الاتحاد الماليزي الأمير «تنكو عبدالرحمن»، وهو العامل الذي ظل يلقي بظلاله على علاقة الأول مع خلفاء الثاني لسنوات طويلة. والحقيقة أن لأسباب جفاء العلاقات ما بين الجارتين (لكن دون تطوره إلى حد القطيعة أو الصراع المعلن) جوانب أخرى. فالاستعمار البريطاني حينما قرر الانسحاب من البلدين في أواخر الخمسينات زرع كعادته بذور الخلافات التي نجد تجلياتها في النزاع حول أسعار المياه التي تحصل عليها سنغافورة من ماليزيا، وادعاءات السيادة على جزيرة «بيدرا برانكا» المواجهة لسواحل سلطنة جوهور الماليزية (حكمت محكمة العدل الدولية في عام 2008 لصالح سنغافورة في هذه القضية، لكنها في الوقت نفسه حكمت لصالح ماليزيا في قضية السيادة على منطقة «الصخور الوسطى» المتنازع عليها)، ناهيك عن الخلافات حول ملكية محطة «تانجونغ باغار» الموجودة في قلب سنغافورة، والتي تملكها وتستخدمها شركة السكك الحديدية الماليزية المعروفة اختصارا باسم «كيه تي إم» كمحطة رئيسية لنقل الأشخاص والبضائع من وإلى سنغافورة. وموضوع هذه المحطة طرأ مؤخرا على سطح الأحداث في أعقاب اتفاق «جنتلمان» بين البلدين. وبموجب الاتفاق، الذي تم التفاوض حوله طويلا، إلى أن حسمت بنوده في سبتمبر من العام الماضي بين القيادة السنغافورية ممثلة في رئيس حكومتها الشاب «لي هيان لونغ» (إبن لي كوان يو) والقيادة الماليزية ممثلة في رئيس الحكومة «نجيب رزاق»، سوف يتم استبدال أراض بأراض. بمعنى تخلي ماليزيا عن محطة «تانجونغ باغار» ومنشآتها وما يحيط بها من أبنية كولونيالية التصميم، مقابل حصولها على أراض بديلة تقع ضمن الواجهة البحرية الجنوبية لسنغافورة، مع قيام الجارتين بالدخول في شراكة لردم واستصلاح تلك الأراضي وتعميرها ضمن مشروع يكلف أكثر من 9 بلايين دولار أمريكي. وهكذا، بمغادرة آخر قطار ماليزي لمحطة «تانجونغ باغار» في الأول من يوليو 2011 استردت سنغافورة الأراضي التي ظلت شركة «كيه تي إم» الماليزية تستخدمها منذ عام 1923. وتعليقا على الحدث، الذي يـُعتقد أنه مبشر بذوبان الجليد ما بين الجارتين تدريجيا، عبـّر الزعيم السنغافوري «لي هيان لونغ» عن سعادته قائلا: «الآن يمكن لبلدينا المضي قدما نحو تعزيز مصالحهما المشتركة» مضيفا أن «انفراجا حقيقيا قد حدث، وتاريخا جديدا سوف يكتب». وبالعودة إلى تاريخ محطة «تانجونغ باغار» نجد تأكيد المصادر التاريخية على أنها تكونت حول قرية للصيادين، بدليل أن اسمها يعني بلغة أبناء الملايو «رأس الأوتاد» وذلك في إشارة إلى مصائد صيد السمك المصنوعة من أوتاد البامبو. هذه المصائد تطورت في عام 1864 إلى جدران دفاعية على يد «شركة تانجونغ باغار الملاحية» التي أرادت إنشاء ما يصد أو يخفف حركة وأنشطة السفن الأجنبية في المنطقة. وهكذا ظلت «تانجونغ باغار» مجرد منطقة تمتد ما بين ساحل البحر ومركز البلدة الحاملة للاسم نفسه، ويــُستخدم مرساها لرسو المراكب الناقلة للمهاجرين من الصين والهند. لكن قيام الإدارة البريطانية في عام 1904 بإنشاء خط حديدي، واختيارها كمحطة رئيسية على الخط، شجع الكثيرين من أثرياء البلاد من ذوي الأصول العربية والصينية على استثمار أموالهم في شراء الأراضي المحيطة بالمنطقة، ومن ثم تعميرها وتأجيرها، خصوصا للطبقة العاملة من الأقلية الهندية. غير أن مصادر تاريخية أخرى تقول إن الجزء الأعظم من أراضي المنطقة كانت ضمن أملاك البريطاني «ديكستون هيل»، وعند وفاة الأخير في عام 1856 بيعت تلك الأراضي في المزاد العلني، ليذهب نصيب الأسد منها إلى الثري السنغافوري من أصل عربي «سيد عبدالله بن عمر الجنيد» الذي قام بتقسيمها إلى أربع قطع وبيعها إلى الأثرياء السنغافوريين من أصول صينية ممن طوروها لاحقا وأقاموا عليها أبنية من ثلاثة أو أربعة أدوار. وكان ضمن هؤلاء الأثرياء «كوتشينغ تشيوك» شقيق تاجر الأرز المعروف «كو تشينغ تيونغ» الذي كان يسكن في المنطقة أصلا داخل معهد طبي. على أن التحول الأهم في هذه المنطقة بدأ في منتصف الثمانينات حينما أطلق «لي كوان يو» مشروعا عمرانيا رائدا لتحديثها، وإقامة مبان سكنية حديثة فوقها مزودة بكافة وسائل الراحة والترفيه واللهو والتسوق، لكن مع الإبقاء على الأشكال العمرانية الكولونيالية لبعض أجزائها الأثرية. المهم أنه بمرور الزمن تحولت «تانجونغ باغار» إلى نقطة عبور مهمة من منطقة إلى أخرى للعائلات المقيمة على طول نهر سنغافورة، سواء بواسطة العربات التقليدية أو عربات السكك الحديدية أو الشاحنات. وبالنسبة للانتقال بواسطة السكك الحديدية اتخذت منها شركة «كيه تي إم» الماليزية محطة رئيسية لتسيير 3 رحلات على الأقل يوميا من كوالالمبور إلى سنغافورة ومن الأخيرة إلى مدن وولايات أخرى داخل ماليزيا. وعلى الرغم من تفاؤل الكثيرين بمستقبل العلاقات ما بين البلدين الجارين بعد حل قضية المحطة المذكورة، فإن هناك من يتخوف من بروز خلافات أخرى ولا سيما حول رسوم العبور فوق الجسر البحري الممتد بينهما. فالمعروف أن رئيس الحكومة الماليزية السابق «عبدالله أحمد بدوي» أثار في عام 2003 هذه القضية ومعها قضية حصول سنغافورة على المياه من ماليزيا. وفي العام نفسه أثار سلفه «مهاتير محمد» زوبعة كبيرة حينما هدد بإنشاء جسر جديد يربط البلدين كبديل للجسر الحالي حتى من دون موافقة الحكومة السنغافورية. غير أن حدة التوتر خفت في عام 2005 على إثر قرار السنغافوريين بضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد الماليزي، وتحديدا في مشروع لاستصلاح الأراضي في مضيق جوهور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها