النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

ما هكذا يا شعب مصر العظيم

رابط مختصر
العدد 8160 السبت 13 اغسطس 2011 الموافق 13 رمضان 1432

افهم أن المجلس العسكري الحاكم في مصر أراد أن يثبت للمصريين انه لا يخضع لضغوط أجنبية «دولية وعربية وتحديدا خليجية»، وانه يعمل من اجل تطبيق حقيقي للقانون ونصوصه وفق قواعد العدالة والقصاص في مصر، وانه يطبق شعار الثورة «لا احد فوق القانون والمساءلة حتى رئيس الدولة». وافهم أن المجلس العسكري أراد إبعاد شبهة إبرام صفقة مع الرئيس السابق حسنى مبارك بصفته رجلا عسكريا. وأدرك أيضا أن المجلس العسكري يريد بث روح التفاؤل لدى المصريين ويؤكد لكل المرشحين المحتملين للرئاسة أن تلك مهمة صعبة وأمانة لا يستهان بها، خاصة وان لا احد سيكون قادرا على الإفلات من العقاب عن ارتكاب جرائم فساد سياسي واقتصادي في مصر في العهد الجديد. ولكن.. ألا يدرك المجلس العسكري في مصر أن المحاكم الاستثنائية غير معترف بها في مصر رغم انحياز البعض لها خاصة من قوى الثورة أو الثائرين. فالمحاكمة وإن رآها البعض في غير محلها لأنها انعقدت في أوائل شهر رمضان المعظم، شهر الرحمة والمغفرة، فما هكذا يكون المصريون. فهؤلاء هم المصريون الذين سبق وامتعضوا لمشهد إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عندما تم نحره في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وهم المصريون والعرب الذين تعجبوا يوم ذاك، أن يتم التخلص منه يوم العيد مع أن أيام السنة كثيرة. ولعلي لا اتفق مع ما ذكرته الصحف والإعلام المصري غداة الجلسة الأولى لمحاكمة الرئيس المصري السابق حسنى مبارك، بان المصريين عاشوا لحظة فارقة فى تاريخهم عندما جمع قفص الاتهام رئيسهم السابق ونجليه وكبار معاونيه. بيد ان الذي لم يقله الإعلام المصري ان هذا الرجل لا يستحق ما جرى له من هذه المحاكمة العلنية، فهي ترضي فقط الثائرين الراغبين فى الانتقام وليس انجاز العدالة. فالمشهد أساء لمصر، لان هذا الرجل لا يستحق هذه المعاملة، فلديه حسنات كثيرة، أهمها انه جنب شعبه وشبابه ويلات الحرب، ولكن الإعلام المصري ركز على السيئات، ولو فكرنا قليلا، لتأكدنا ان الحسنات تذهبن السيئات. لقد ذكرت إحدى الصحف ان الثورة المصرية قدمت للعالم نموذجا متحضرا لاول محاكمة لحاكم مصري منذ عهد الفراعنة. والحمد لله ان نفس الصحيفة ذكرت في ديباجة خبرها ان هذه المحاكمة العلنية جاءت نزولا عند الضغوط الشعبية، ليتأكد للجميع ان المحاكمة سياسية وانتقامية ولا تخضع للقواعد القانونية المنصوص عليها في قانون العقوبات المصري. وللأسف الشديد، فقد ربط بعض الإعلام المصري بين مبارك وصدام حسين، وكأن مبارك قد تسبب فى دمار بلاده وتخريبها واحتلالها من قبل الأمريكيين، وكـأن الرجل «مبارك» قد سلم بلاده للإيرانيين ليحكموها بدلا من المصريين. فمن الخطأ الربط بين صدام ومبارك، فالأول قل فيه ما تشاء من عيوب ومساوئ، وتسبب عبر أخطائه الكثيرة والمفزعة فى إهدار مليارات الدولارات على الدول الخليجية عندما دافعت عن حق الكويت فى استرداد أراضيها من الغزو العراقي الغاشم، فصدام هو من ادخل الأمريكيين للمنطقة ومنحهم الفرصة للبقاء فيها لفترة لا يعلمها سوى الله. ولكن يكتب لحسني مبارك انه مثل أمام المحكمة وهو على سرير المرض بغض النظر عما يردده المصريون بانه «يمثل علينا دور المريض»، وهو لم يهرب الى أي دولة أجنبية ويلجأ إليها أوالى إسرائيل التي ادعى بعض مسؤوليها أنهم عرضوا استقبال الرجل. وكل هذا لان الرجل كان يعتقد انه سيلقى معاملة عادلة ومحترمة من شعبه وحكامه الجدد، أو على الأقل سيلقى محاكمة عادلة تضيف لتاريخ مصر صفحة ناصعة في الأيام القادمة. والذي اعتقده وقد بدأت المحاكمة بالفعل، هو كأن هذا الرجل يتعرض لمؤامرة كبرى تحاك حوله وضده في نفس الوقت، والاهم انه ظل شامخا ولم يهرب للخارج، وهذا يكتب له ليظل رمزا للشموخ والرجولة حتى في أحلك المواقف وأصعبها.. وهو لا يستحق ما يجري له الآن، وكان حريا بالمصريين أن يراعوا شيخوخته وتاريخه، ولكن ربما كان بعض المصريين في وقتنا الراهن تخلوا عن صفاتهم الطيبة ورحمتهم وتسامحهم، واستبدلوا الرحمة بقسوة القلب، والطيبة بالتشفي، متناسين أن الرجل كان احد أبطال حرب أكتوبر التي يفتخرون بها، وعلى الأقل لم يسلم الرجل بلده على طبق من فضة للأمريكيين مثلما فعل من قبل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.. لا استوعب حتى الآن، كيف غابت عن بعض المصريين صفات الطيبة والرحمة والمروءة. لقد هالني ما يدور في مصر من سجالات وبرامج إعلامية، فهو خلط مفزع في ضمير الأمة بين العدالة والانتقام الغوغائي، ما دفع مسؤولة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، للتحذير عقب مشاهدتها الجلسة الإجرائية الأولى لمحاكمة الرئيس المصري السابق من استحالة أن يلقى محاكمة عادلة هو وبقية من معه في القضية محل النظر في الظروف الحالية. وأكدت هذه المسؤولة ان دوافع المحاكمة تبتعد تماما عن الإجراءات القانونية وانها اقرب ما تكون إلى المحاكمة السياسية واستعراضا سياسيا وليس مسارا للعدالة القضائية. وعلى سبيل المثال، هل توافق هيئة المحكمة التي تنظر القضية على طلب هيئة الدفاع باستدعاء نحو أكثر من ألف ونصف شاهد، خاصة وان أي محاكمة عادلة لا تكتمل إلا بالاستجابة لطلبهم. كنت اعتقد انه من الأفضل للمصريين أن يقدموا نموذجا رفيعا للعدالة وليس الانتقام، نموذجا يؤسس لمستقبل أفضل من العدل وليس الانتقام من الماضي. وهذا يقتضي منح المتهمين كامل حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم، فهذا في حد ذاته سيكون مثار فخر لعدالة العهد الجديد لمصر، وسيؤسس هذا إلى تكريس مفهوم احترام النظام وتطبيقه على الجميع بلا استثناء. خاصة وان القاعدة تقول «انه لا عدالة في ظل صرخات الانتقام وإرهاب الخصوم». وقد رأينا ان التعجيل بإجراء المحاكمة في دائرة خاصة وجعلها علانية بما يتناقض من حكم قضائي مصري صدر قبل اشهر، لم يكن الهدف منه سوى إرضاء الثائرين. فالمحاكمة أصلا لم تراع قواعد التداعي والترافع في القانون المصري، الذي يؤسس مثل غيره من القوانين للعدل والحكم الرشيد، وليس تحويل القضية إلى محاكمة سياسية إرضاء للشارع ومجرد استعراض تلفزيوني للشرعية الجديدة. القاعدة القانونية تؤكد أن القانون لا يعرف غير القاضي الطبيعي في كل الظروف، وهو أرقى مستوى لتحقيق العدل، ومن يطلب الاستثناء يطلب التضحية بالعدالة بسبب غرض وهوى في نفسه، فالمأمول من المصريين أن تعبر هذه المحاكمة عن الرقي الذي يتحدث به الثوار، وهذا يتحقق عبر الحفاظ على العدالة ليأخذ كل شخص حقه من العدل. لقد كان مشهد جلسة المحاكمة العلنية هزليا، والهزل هنا ليس بمعنى الضاحك أو الساخر، وإنما هزل لأنه لم يستند إلى القواعد القانونية، ولكنه استند إلى الروح الثأرية وليس لروح الثورة، وهناك فارق بين المعنيين، فالثورة تشير إلى مستقبل أفضل، وإنما الثأر يكرس روحا انتقامية شريرة. واعتقد أن الثورة المصرية لن تنجح ما لم تتخل عن هذه الروح الانتقامية، فالثورة التي تتحدث عن توفير العدالة الاجتماعية، يجب أن توفر محاكمة عادلة لرئيس مصر السابق، من اجل ضمان مستقبل أفضل للمصريين، مستقبل يحترم الرأي والرأي الآخر لا إقصاءه ورجمه. كنت أتمنى ومازلت أتمنى أن تتراجع نبرة الشماتة بين المصريين، حتى تكون محاكمة رئيسهم السابق طريقهم نحو بناء مستقبلهم وليس مجرد تسجيل مواقف للانتقام من هذا الشخص أو ذاك المسؤول مهما كانت حيثيته الماضية. وإذا لم يفق الثائرون ويتخلصوا من رغبة الانتقام، فلن تقوم لمصر قائمة، لان الحبل جرار كما يقولون، وتنقلب مصر إلى حالة من التخوين وتبادل الاتهامات بين هذا الطرف وذاك، ليكون الانتقام هو المثل الأعلى والنمط السائد، بدلا من نسيان الماضي بكل همومه والتفرغ لبناء مستقبل جديد، ينشغل فيه الجميع بالعمل واستعادة مكانة مصر عربيا وعالميا وإقليميا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا