النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11207 الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

ثقافـــة الانقـــــلاب

رابط مختصر
العدد 8159 الجمعة 12 اغسطس 2011 الموافق 12 رمضان 1432

منذ انقلاب حسني الزعيم وأديب الشيشكلي في سوريا الاربعينات، والانقلابات اصبحت جزءاً من أدبيات الثورة في عالمنا العربي، حيث تنضم إليها وترتبها في بعض الاحيان قوى المعارضة المدنية وتطلق عليها ثورة في تزييف للمفاهيم، أخذ مداه ولعب دوره في الثقافة الجماهيرية التي باتت في الخمسينات والستينات تنتظر البلاغ العسكري الاول بوصفه «ثورة» يتقاسم كعكتها العسكريون وقوى المعارضة، كما حدث طوال تاريخنا «الثوري الانقلابي الحديث» الى الدرجة التي غدت فيها الانقلابات هي الثورة، ولكن بصيغة وبأدوات حزبية متطرفة ومستغرقة في تخلفها للانقلاب على الدولة المدنية العربية بوصف الانقلاب «ثورة جماهيرية» أطلق عليها «الربيع العربي» في توصيف آخر خلاب لم يكن له من الربيع سوى بروز جماعات الاسلام السياسي، وفي المقدمة منها جماعات واحزاب دولة «الولي الفقيه» لإقامة مشروعها على انقاض بقايا الدولة المدنية، التي كان من اخطائها القاتلة الكبرى السماح بالترخيص القانوني «المدني» لتأسيس احزاب على أساس ديني طائفي متمذهب وبالنتيجة متعصب حدّ التطرف. ثقافة الانقلاب بوصفه «ثورة» ودخول تيارات وطنية «معارضة» على خط الانقلابات والترتيب والتحضير لها جرى قبل ستة عقودٍ من الآن عندما كان انطون سعادة زعيم الحزب القومي السوري في نهايات الاربعينات يقود مرحلة ما بعد الانقلاب، ويعين الوزراء والمسؤولين حتى جاء انقلاب «ثورة» اخرى لتحل محله ولتفتح للانقلابات بوصفها «ثورة» مساحة كبيرة في ذهنية كوادر وقادة احزاب المعارضة العربية التي تورطت في حركات انقلابية عسكرية كبيرة على اساس انها «ثورة»، كما تورطت في مطالع ستينات القرن الماضي احزاب قومية في انقلاب اليمن الشمالي ودخلت مع عبدالله السلال في التحضير لانقلابه على اسرة حميد الدين، ومازالت الى اليوم سلسلة الانقلابات العسكرية هناك جزءاً من مكوّن التغيير تأتي لجماهيره بوصفها «ثورة» نراها اليوم في الشارع اليمني تحتفي الى درجة النشوة بانضمام عسكريين بسلاحهم وعتادهم الى ما سمي بـ «الربيع»، وهو لم يخرج عن اطار الانقلابات العسكرية المعهودة، ففي مصر تولى الجيش زمام الامور ومازال يسيرها، فيما اليمن مفتوحة على كل الاحتمالات الخطيرة، وكذلك هي تونس التي يبدو انها تعيش مرحلة انتقالية غامضة؛ لأن «الثورة» فيها كانت متحالفة مع العسكر الذين ضغطوا على زين العابدين بن علي؛ لتعجيل رحيله بما يثبت مرة اخرى وليست اخيرة، ان ذهنية الانقلاب جزء لا يتجزأ من ذهنية القوى السياسية العربية وذهنية الاحتيال الجديدة التي تشربت ثقافة الانقلاب بوصفه ثورة، ولم يعد هناك فاصل ثقافي وفكري بين الانقلاب والثورة في حقيقتها التي لم يعرفها تاريخنا العربي الحديث وظل يرددها كشعار. في اليونان ذات الثقافة الاوروبية الراسخة عندما حدث انقلاب العسكريين هناك وقفت منه المعارضة اليونانية بكل تلاوينها موقف المعارض شديد المعارضة، ولم تتحالف او تتعاون معه ودفعت في ذلك اكلافاً وثمناً باهضاً، ولكنها ظلت وفيّة لمبادئها الفكرية في فهم الثورة على حقيقتها غير الانقلابية. وكذلك هي قبرص عندما تحرك العسكر فيها للانقضاض على الدولة المدنية في عهد الراحل مكاريوس لم تمد قوى المعارضة فيها يدها الى العسكريين، ولم تسبغ على انقلابهم صفة «الثورية» كما تفعل معارضاتنا التي جعلت ثقافة الانقلاب تأخذ طريقها الى ذهنية جماهيرها، فباتوا يقودون انقلاباتهم على الدولة المدنية، فيما المعارضات اليسارية والقومية تمنحها صفة «الثورة» في وعي مازال اسير الانقلابات. الازمة هي ازمة الوعي الفوقي «طلائع السياسيين في المعارضات العربية» التي تريد اختزال اللحظة وحرق المراحل وتعاني عجزاً وفشلاً بنيوياً لا تجد امامه مفراً من ان تتحالف بل وتسير في ركب الانقلابات على الدولة المدنية، دون ان تلاحظ في لحظة الغواية انها ستكون اول من يدفع ثمن الانقلاب على الدولة المدنية وتلك حكاية مأساوية سوداء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا