النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بلادي وهي في غيبوبة الطائفية!!

رابط مختصر
العدد 8156 الثلاثاء 9 اغسطس 2011 الموافق 9 رمضان 1432

منذ أيام قليلة بدأت قراءة رواية «باولا» للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، وهي رواية كتبتها الليندي في المستشفى، تروي فيها قصّة حياتها وحكايات أفراد عائلتها لابنتها التي دخلت لمدّة أشهر طويلة في غيبوبة نتيجة إصابتها بمرض نادر. كانت الغاية أن تحفظ الروائية لابنتها تاريخ عائلتها وذكرياتها التي قد تنساها بسبب المرض وتجمعها لها كلّها في رواية من 400 صفحة، قد تلجأ إلى قراءتها حين تصحو وتستعيد ما ستفقده من ذاكرة أثناء المرض. كان الهدف من شروعي في قراءة هذه الرواية هو الابتعاد عن الشأن السياسي المحلّي إلى أقصى حدّ. اخترت رواية تشيلية لأنّ تشيلي تقع في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، وكنت على يقين بأنّ الرواية لن تتطرّق إلى مسألة الدوّار أو تحوّل تجمّع الوحدة الوطنية إلى جمعية أو لجنة بسيوني. ولكن خاب مسعاي، ووجدت البحرين تتسلّل من أسطر الرواية. تخيّلت البحرين شابّة غائبة عن الوعي - مثل باولا - بسبب مرضها الطائفي الذي أصابها فجأة وحوّل جسدها الناضر إلى جسد منهك هزيل، الرابط بينه وبين الحياة هي تلك الأنابيب التي تمدّه بالماء والطعام والأوكسجين، وتخيّلت نفسي تلك الأم الحزينة التي تقضي الساعات تلو الساعات إلى جانب سريرها في محاولة لإنعاش ذاكرتها المعطوبة ولكي تروي لها تاريخها وتاريخ عائلتها بقليل من الأمانة وبكثير من الاختلاق. لم أكن أتمنى أن تودي الطائفية ببلادي إلى هذه الغيبوبة المفاجئة، ولكني كنت أتمنى لو أنّ بمقدوري أن أضع يدي على ذاكرة بلادي خلال الأشهر الأخيرة وأغيّر وأبدّل وأحرّف وأختلق مثلما أشاء، لكي تصحو البحرين فلا تجد فرقاً بين ما كانته في السابق وما ستكونه في المستقبل، ولكي لا تجد سوى الألفة والمحبّة والتواصل بين أبناء الوطن الواحد، والمشاركة العفوية بين أبناء الطوائف المتعدّدة في عمار البلاد ونهضتها. كنت سأروي لها عن الانسجام النموذجي بين المختلفين مذهبياً وفكرياً. كنت سأحكي للبحرين وهي على سرير مرضها عن لابسة «الغشوة» التي تمشي برفقة لابسة البرمودا، وكنت سأروي لها عن قصص الحبّ التي جمعت المختلفين مذهبياً في حفلة زواج واحدة وحوّلتهم إلى أسرة واحدة متحابّة، وكنت سأحدّثها طويلاً عن تلك الأم السنّية التي لا تجد غضاضة في إرضاع ابن جارها الشيعي، وعن تلك الجارة الشيعية التي لا تطفئ قدرها إلا وقد جهّزت صحن «الشلّة» لجارتها السنّية في شهر محرّم. وحينما أصل إلى ذكريات فبراير من العام الجاري وما جرّه على البلاد من فرقة وتشرذم وتخوين وتجريم، كنت سأتجاوز هذه الشهور مثلما يقفز الرياضيون في مسابقة القفز بالزانة، وعوضاً عن ذلك ربّما كنت سأحكي لها عن حكايات القطط أو النمل الأبيض، أو سأروي لها عن حركة الغيوم والطاقة الشمسية، أو ربّما كنت سأضع لها شريط «توم وجيري» أو «سبونج بوب»، لأنني لن أجد ما أحكيه لها، أو لأنني لا أودّ أن ألطّخ تاريخها الناصع برواية ما حدث في تلك الشهور. لم أُنهِ الرواية إلى الآن، ولكن يبدو أنّ «باولا» ابنة الروائية التشيلية إيزابيل الليندي ستموت في نهاية الرواية ولن تتمكّن من قراءة ما كتبته أمّها لها في المستشفى طيلة فترة بقائها فاقدة للوعي. أما بلادي فسيشاء الله أن تستيقظ من غيبوبتها الطائفية فما الذي ستجده أمامها؟ وما الذي ستحتفظ به من ذكرى؟ وما الذي سيبقى عالقاً في ذاكرتها وما الذي ستنساه؟ ما الذي سيكتبه التاريخ عن هذه الفترة؟ وما الذي سنرويه لأبنائنا وأحفادنا عن مأساة الدوّار وما خلّفه من تشرذم طائفي؟ وكيف سنجيب على أسئلة أجيالنا القادمة حينما تسألنا عمّا حدث وعن مواقفنا وقتها وعن أكوام السباب وحملات التشويه وحوارات الكراهية وأحاديث الحقد في الفيسبوك وتويتر واليوتيوب والقنوات الخارجية؟ قرّرت في النهاية ألا أُكمل قراءة رواية «باولا»، لأنني كنت أودّ من خلالها أن أهرب من مشكلات البحرين ولكني وجدت أنّ الرواية تدفعني دفعاً إلى قلب هذه المشكلات. وإلى أن أجد كتاباً آخر يُبعدني إلى أقصى حدّ عن مشكلات بلدي سوف أسلّي نفسي بمشاهدة برامج الطبخ ربّما أو بمتابعة برنامج حليمة بولند، فهي خير وسيلة للنسيان والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها