النسخة الورقية
العدد 11178 السبت 16 نوفمبر 2019 الموافق 19 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

بين مبارك وفاروق.. العنب ورأس الناطور

رابط مختصر
العدد 8153 السبت 6 اغسطس 2011 الموافق 6 رمضان 1432

لسنا في وارد عقد مقارنات، لكننا في وارد قراءة سوسيولوجيا مجتمعية لأمزجة عربية لا يمكن ويخطئ من يحاول فهمها على خلفية «ثوراتها وانقلاباتها، فالشعارات تناقض واقع «الثورات» وحقيقة «الانقلابات». هناك فرق بين ثقافة الثورة وثقافة الانتقام، كثير من «الثورات» بدأت بثورة وانتهت بانتقام.. حدث ذلك في ثورة 14 يوليو / تموز العراقية بدأت بشعارات ثورية، لكنها غرقت في بحر من الدماء منذ اللحظة التي اطلق فيها زخات رصاص قاتل من رشاشه ذلك الملازم على العائلة المالكة التي كانت قد استسلمت للقوة القادمة اليها وفي مقدمتها والدة الوصي على العرش عبدالاله وكانت تحمل المصحف الشريف وتلوح بمنديل ابيض وخلفها الملك والوصي وبقية نساء الاسرة الذين تساقطوا يرفلون في شلال دم تدفق في العراق منذ 14 يوليو 1958 وما زال مستمراً في كل ثورة انقلابية انتقامية، فعبدالكريم قاسم وعباس فاضل المهداوي قائدا «ثورة الدم» في العراق كانت نهايتهما في بركة دم غرقا فيها قتلاً ورمياً برصاص غادر داخل استوديوهات اذاعة بغداد الى الدرجة التي لم يسمح فيها الانتقاميون / الثوريون لقاسم بشربة ماء تعطى حتى للخروف قبل نحره لكنهم نحروا قاسم كما نحر وسحل الانقلابيون الانتقاميون في ثورته نوري السعيد رئيس وزراء العهد الملكي فتقطع جسده اربا أثناء سحل وجر «البيك أب» لجثته في شوارع بغداد. وعندما تتغلب وتطغى ثقافة الانتقام على ثقافة الثورة تنتهي الثورة لتفتح ابواب انتقامات ربما نعرف متى بدأت لكننا بالتأكيد لن نعرف متى تنتهي فالانتقام ثقافة ثأرية لا ثقافة ثورية كما يريد البعض ان يوحي لجمهوره وان يجرهم اليها ويغرقهم فيها فيختلط الانتقام بالثأر مع ملاحظة ان ثقافة الثأر او الثقافة الثأرية ثقافة لها جذور قديمة في الذهنية العربية وقديمة جدا وتعود للعصر الجاهلي الاول وما حرب داحس والغبراء التي استمرت لأربعين سنة سوى نتاج ثقافة الثأر والانتقام يتحول معه الى سلوك استطاعت اعادة انتاجه فينا عقلية مسكونة بالانتقام بوصفه ثورة، وما اشد الفرق وابعد الفارق بين الثورة والانتقام. المفارقة الاكثر لفتاً للأنظار ان ثورة يوليو 52 قادها العسكر «الجيش» ومع ذلك لم ترق فيها نقطة دم واحدة، ولم تنتقم من فاروق الملك بل خرج مكرما في باخرته المحروسة الى المنفى الذي اختاره، ولم تقدمه الثورة الى محاكمها فيما «ربيع ثورتها» ينحو الى الانتقام بشدة شديدة الى الدرجة التي اصبحت فيها محاكمة مبارك هي الهدف الوحيد «للثورة» التي تبحث عن رأس الناطور، ولا يهمها العنب الثوري الموعود والذي بدا واضحا انه مجرد وعد بلا اجندة، فالهدف رأس مبارك الذي تتسابق كل الاطراف لقطفه بعد ان اصدرت حكمها عليه حتى قبل ان يحاكم وقبل ان تنعقد جلسات محاكمته. لا ندافع هنا عن مبارك، ولكننا نذهب الى ما هو ابعد واعمق في تحليل وتفسير ظاهرة «الربيع العربي» أو «ربيع الانتقام» المتحرك على خلفية ثقافة الثأر المستحضرة من ذاكرة الماضي المعمد بنهر طويل من الدم مازال منسكبا على جدران ثقافة الثأر. الاشكالية ليست في فساد نظام مبارك او في فساد نظام فاروق وايهما كان الاكثر فسادا، فهو سؤال حري باللحظة المصرية ان تحسمه على خلفية وعيها بأهداف تغيير النظام الذي قامت بتغييره.. بما يطرح سؤال الثورة في حركة 52 وسؤال الانتقام الثأري في حركة 25 يناير 2011 التي اراد البعض استنساخ انتقامها كونه مسكونا بالثأر ثقافة والثأر تفكيرا. الزعيم والمناضل الاممي نيلسون مانديلا عندما اختار قول النبي الكريم «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ليذكر بها اصحاب «الربيع المصري»، لم يكن يتحدث كرجل دين بقدر ما كان يتحدث كرجل ثورة لا رجل ثأر وانتقام «هل هناك من يشكك في ثورية مانديلا»؟؟ ربما فنحن في زمن يخون فيه «الثوريون» الانتقاميون كل من يخالف ويعارض ثقافة الانتقام لا دفاعا عن شخوص وافراد وانما عما تبقى لنا من وعي حضاري وحس انساني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها