النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

دولـــــــة الموتـــــــــــــى

رابط مختصر
العدد 8149 الثلاثاء 2 اغسطس 2011 الموافق 2 رمضان 1432

قبل أسبوعين كان هناك اجتماع للموتى في مقبرة الميّتين. هذا الاجتماع الذي لم يحضره إلا الموتى لأنّ مناقشاتهم كانت كلها تدور حول الموت والمدافن والقبور والأكفان. وكان الغرض من هذا الاجتماع هو تأسيس دولة مدنية للموتى تستردّ الحقوق المسلوبة وتمضي في خطط طموحة للتنمية وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات. من السهولة بمكان حشد الميّتين لأي اجتماع، وذلك لسبب بسيط، هو أنّهم ميتون، ولا يعرف الموتى أيّ مكان لهم بعد أن ماتوا سوى هذه المقبرة الممتدة وسوى هذه القبور المتراصّة التي لا تشبه شيئاً في خوائها وسكونها واستكانتها إلا الموت. لم يظنّ الأحياء أنّ الأموات ستخرج أصواتهم يوماً من تحت الركام، ولم يدر في خَلَدهم أنّ هؤلاء سيتركون حديث الموت ولغة المقابر التي كانوا لا يتحدّثون إلا بها طيلة قرون وسيستغلّون الأراضي الممتدة التي يرقدون فيها بسلام في هذه البلاد الوادعة ليعلنوا عن اتجاههم لتأسيس دولة نموذجية تحاكي دول الأحياء المتقدّمة وتضاهيها في الأنظمة والقوانين والاقتصاد والابتكار. وجّه الأموات دعوات للأحياء. قالوا لهم: «هيا أيها الساكنون فوق هذه البسيطة، موتوا وتمدّدوا في فضاء المقبرة الشاسع وشاركونا في تأسيس الدولة المدنية الحديثة»، وحين رفض الأحياء ذلك قرّروا أن يؤسسوا وحدهم من موتهم وأكفانهم وقطنهم الدولة الموعودة التي يحلم بها الأحياء. وإمعاناً من الموتى في مطالبتهم بالدولة المدنية الحديثة قرّروا إغلاق أبواب المقابر أمام الموتى الجدد الذين لن يشاركوهم في تأسيس دولتهم الواعدة، ولم يجد وقتها الأموات الجدد أي مقبرة تضمّ جثثهم بعد أن ماتوا، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بالزحف إلى المدن والقرى إلى أن أصبح الموت في مواجهة الحياة في كلّ شارع وفي كلّ زقاق. وأصبحت جدران المدن والقرى ملأى بعبارات الموت التي تدعو إلى المدنية، وشعارات المقابر التي تعد الناس بنهضة عرضها السموات والأرض، وبهتافات التطوّر التي تخرج من رحم القبور والأكفان وتضوّع المكان برائحة الكافور الذي يُزكم الأنوف. ولم يبقَ في البلاد موطئ قدم لم تصل إليه هتافات الموتى وأعلامهم ويافطاتهم ونشراتهم. حينها هتف الموتى للأحياء بأعلى صوتهم وأعلنوا بنبرة تحدٍّ وإصرار: «نريدكم أن تموتوا جميعاً لكي تشاركونا في تأسيس دولتنا الموعودة، ومن لم يشاركنا الموت فلا مكان له في هذه البلاد، وليبحث له عن بلاد أخرى تؤويه، فلا مكان في هذه البلاد سوى للموتى ولدولتهم التي ستتسع فيها المقابر لكي تتحوّل هذه البلاد إلى مقبرة كبيرة واحدة، عَلَمُها الموت وشعارُها الأكفان». شعر الأحياء بالخطر الداهم الذي أصبح يهدّد مناطقهم ومدنهم وقراهم. وما جعل الأمر أكثر صعوبة هو أنّ هؤلاء الأموات ليسوا سوى أهلهم وأصدقائهم وأحبابهم الذين غادروا الحياة وصاروا تحت الثرى، ولم يكونوا يتوقّعون أن يأتي اليوم الذي سيُضطرّون فيه إلى مواجهتهم وهم الذين بكوا كثيراً حين ماتوا ومشوا خلف جنازاتهم وفتحوا لهم مجالس العزاء، وأصبحت صورهم معلّقة في كلّ بيت من بيوت الأحياء. كان الأحياء يتساءلون: «أي دولة مدنية سيؤسسها الموتى؟ وأي تطوّر سيخرج من رحم المدافن؟ وكيف سنسلّم زمام حياتنا ودولتنا إلى هؤلاء الذين انقطعوا عن الحياة وغابوا تحت الثرى لسنوات وسنوات؟ وأين سيأخذنا أهل المقابر في دولتهم الموعودة التي يدعون فيها الناس للموت ويبشرونهم بدولة يديرها الموتى من قبورهم؟ لم يترك الأموات خياراً سوى المواجهة. ولقد حدثت المواجهة فعلاً. الموتى كانوا يقولون بأنّ المواجهة قد تمّت بين أنصار الدولة المدنية وأعدائها. والواقع يقول إنّ المواجهة حدثت بين الموت والحياة، بين من يريد أن يدفن الناس في أعماق الأرض وبين من يريد أن يُطلقهم في رحاب الأرض ليتنفسوا هواء نقيّاً. وكانت الدولة هي أكبر الخاسرين. لقد مات الأحياء في هذه المواجهة، أما الموتى فقد ازدادوا موتاً. ولم تتأسس دولة حديثة كما وعد الموتى، بل اتسعت أفواه المقابر وازدادت شرهاً واستكانة وموتاً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها