النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

في شأن التغيير!

رابط مختصر
العدد 8145 الجمعة 29 يوليو 2011 الموافق 28 شعبان 1432

الحاضر الإنساني، وما انتهى إليه من تغييرات وما وصل إليه من حلول للكثير من المشكلات، وهو بالطبع مازال يكتوي ببعضها الآخر المؤجل حتى الآن، هو نتاج لتفاعلات حضارية عميقة حدثت في سياق تصاعدي في الماضي وهذا ما يقتضي بالضرورة أن يكون الحاضر هو المركز الذي يجب أن يشكل بؤرة الاهتمام ومحورها وذلك بتلمس انعكاسات الماضي عليه والبحث عن كيفية جعل المستقبل أكثر إشراقا وتطورا من الماضي والحاضر مجتمعين؛ أي أن يكون الاهتمام منصبا على تهيؤ الظروف وتسخير الإمكانات لبناء مستقبل تتجاوز إمكانية العيش فيه ما كان في الماضي وما هو كائن في الحاضر. لذا فإن ماضي البشرية بكل ما ينطوي عليه من نجاحات واخفاقات وأسئلة مؤجلة لم يحن الوقت بعد للاقتراب منها لعدم وضوحها في أفق العلوم الطبيعية والاجتماعية بسبب نسبية المعرفة الإنسانية بالحقائق، ولا مجال لغير الإقرار بأهمية دراستها والاتعاض بدروسها وعبرها، مدونة جديرة بالدرس والمساءلة، ووجه الأهمية التي يكتسبها في ذلك هو أن هذه المدونة المختزنة للماضي هي الأساس الذي تراكم عليه الأمم أمجادها التاريخية، التي هي في المحصلة النهائية جزء لا يتجزأ من تاريخ البشرية في ظل الفهم المنطقي لسنن التطور والارتقاء بالانتماء إلى كيان حضاري إنساني واحد متعدد المصادر ومتعرج الروافد. إن نبش الماضي، وسبر تواريخ الأحداث والتغيرات التي حدثت فيه، واستحضارها على الدوام في عملية مراجعة ومساءلة هي ضرورة تستوجبها الحالة الإنسانية التواقة إلى تسهيل بلوغ مسارات التوجه صوب المستقبل وتحسينها، وصياغته وفق استلهام العناصر الإيجابية في تاريخ البشرية بطريقة تتيح لها رؤية الآفاق بشكل أفضل، ولبناء أكثر إمكانا وأجمل. وليس جديدا القول إن كل جيل من الأجيال، وبحسب معطيات زمنه التاريخي، يحقق الأهداف التي تتناسب والمرحلة التاريخية التي هو من ضمنها، أما ما لا يتناسب مع المرحلة فإنه، وبشكل تلقائي غير مخطط، يرحل إلى الجيل الذي يليه، وإذا لم يتحقق أيضا يعاد ترحيله من جديد إلى الذي بعده وهكذا دواليك، ضمن نظرية تراكم الحقائق النسبية؛ ليكون من ضمن أولوياته بحسب الظرف التاريخي عندئذ. ولا بد لنا في هذا السياق أن ندرك أن عمليات التغيير في التاريخ ليست متنزها تمتلئ جنباته بالزروع الخضراء والورود اليانعة، وتفيض بالإجابات الجاهزة على كل الأسئلة لتكون قابلة للنقل الآلي من حيزها الموضوعي فتُطبق في شكل تراكيب لسد الصدوع وترميم الشروخ في فضاءات مغايرة من حيث ظرفياتها الزمانية والمكانية ومعطياتها الحضارية. فهذا لعمري طريق الكسالى في الحياة والاتكاليين من الناس حين يتم التعاطي مع المواقف بهذه النمطية والأخذ بمفرداتها بمعزل عن الواقع وشروطه الموضوعية والذاتية، بل إن التاريخ ليس إلا مجموعة من الأسئلة تشكل في جملتها جمرات متقدات حارقات تتصدى لها الأمم ذوات الإرادات الحديدية التي لا تلين ولا تنكسر للإبقاء على مكانتها التاريخية والارتقاء بها إلى ذرى أرفع مكانة وأسمى في سلم الحضارة الإنسانية، وذلك عبر تجددها وتجديدها بالمعالجة والتصويب لأوجه الخلل الممارساتية التي لا تعدمها التجربة الإنسانية، شريطة أن تكون الإرادة ميممة شطر المستقبل، الذي يمثل أفضل تراث لنا وللأجيال اللاحقة، باعتباره الغد الذي ستتعايش فيه شعوب الأرض قاطبة. إذ كيف يستقيم الانتقال إلى مستقبل سعيد دون أن نجتاز الحاضر عبر سبر أغوار أسئلة الماضي والكشف عن ماهيتها وملابساتها وحجمها بكل شفافية لتأمين منطلقات علمية لاجابات محددة على كافة الأسئلة الملحة، الموروثة عنه؛ لتفتح الطريق من أجل عبور خالٍ من العثرات أو قليلها، ويتم توظيفها لخدمة الهم الجمعي المتمثل في إشاعة الأمن والسلام، الذي بدونه سيظل المستقبل المحلوم به لتعايش الشعوب طي الغيب ورهين الاستحالة ضمن الاجتهادات التي يختلط فيها الديني بالسياسي اتستزرع شروط الموت وتهيأ لها في دأب متناه سبل تنامي الكراهية والبغضاء التي أصبحت للأسف الشديد إحدى صفحات التاريخ الأكثر دموية. ولعل ما تمر به البحرين، في إطار ما أسلفت وأعرف أنني فيه قد أطلت، من مخاضات التغيير على كل المستويات ما هي إلا غروس الماضي أبت الظروف الموضوعية لها أن تنتج شيئا فتم ترحيلها بمنطق الزمن وفهم الناس لسيروراته إلى المستقبل، أي حاضرنا الآن لتوافر الظروف الموضوعية، وها هو الحوار الوطني يتوافق على، بل وينتج جملة من التغييرات التي وجدها المتحاورون من مختلف مؤسسات المجتمع تتلاءم والتطور المجتمعي، في حين أن هناك أمورا لم يتم التوافق في شأنها، ولا شك أن الزمن كفيل بخلق ذلك التوافق المنشود؛ من ذلك مثلا الموقف من حكومة منتخبة، وهو موقف أجده شخصيا، وفي هذا رأي يُلزمني، مبنيا على إلحاح يستعجل حركة التاريخ من دون مراعاة للتركيبة الاجتماعية البحرينية التي لا تحتمل مثل هذه الكينونة السياسية المتطورة التي لا قوام لها إلا من خلال تحقق شرط المواطنة تحققا تاما، وبإمكاننا وبالمنطق التاريخاني نفسه إرجاء هذا التغيير أو ترحيله إلى المستقبل بعد أن نكون قد أنضجنا الظروف الموضوعية، وأسسنا دعائم المواطنة التي ينبغي أن تسبق كل فعل سياسي، ووفرنا الضمانات الثقافية والفكرية والتشريعية اللازمة لتحصين المجتمع ضد الفيروسات الانقلابية التي لا ترى كينونتها إلا من خلال إلغاء الآخر ومنازعته المشروعية التاريخية. وينبغي عليّ التأكيد هنا مرة أخرى أن نضج المجتمع لكفيل بأن يأخذنا إلى مواقع ديمقراطية أوسع، وعليه فإنني أعتقد جازما أن كلاما غير هذا لن يقودنا إلا إلى مزيد من التأزيم وفقدان الثقة التي اكتسبناها كابرا عن كابر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها