النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

المصريون بين ثورتي يوليو والتحرير

رابط مختصر
العدد 8143 الأربعاء 27 يوليو 2011 الموافق 26 شعبان 1432

يزخر تاريخ الشعوب والامم بانواع كثيرة من الثورات، وكما تقول الموسوعات، فان تعريف الثورة يعني العمل الذي يسفر عنه إحداث تغيير جوهري في السلطة، أو الهياكل التنظيمية للدولة على ان تحدث في فترة قصيرة نسبيا من الزمن. واشترط أرسطو لاستكمال الثورة السياسية تحديدا ان تشمل تغييرا كاملا من دستور إلى آخر، او على الاقل اجراء تعديل للدستور القائم. هذا بالاضافة الى الثورة اذا حدثت فيجب ان تحدث اختلافا كبيرا من حيث الأساليب والمدة وتحفيز الفكر، على ان تشمل نتائجها التغييرات الرئيسية في الثقافة والاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية والسياسية. واذا حللنا الثورات من منظور تحليل الأحداث في التاريخ الأوروبي، لاكتشفنا ان الثورات السياسية، لم تتتصف بانها ثورات مفاجئة وعنيفة فقط، وانما تسعى الى إقامة نظام سياسي جديد ولكن على تحويل المجتمع بأكمله، سواء أكانت عملية التحول هذه بطيئة ام واسعة يشارك فيها كل اطياف المجتمع. وقد توصف الثورة بانها مجرد انقلاب اذا شابها اي تدخل عسكري او ترأسها بعض العسكريين كان هدفهم انهاء حكم مدني للاستيلاء على مقاليد الحكم، والمهم ان تحدث الثورات تحولا هيكليا فى تاريخ الشعوب، تحولا يشمل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فضلا عن المؤسسات السياسية، مثل الثورة الفرنسية عام 1789 والثورة الروسية عام 1917. ويدخل ضمن أنواع الثورات، أنماط أخرى غير الثورة السياسية وهى النظام الاكثر شيوعا، حيث هناك الثورات الاجتماعية، الثورات البروليتارية الشيوعية أو المستوحاة من الأفكار الماركسية التي تهدف إلى استبدال الرأسمالية والشيوعية. وهناك ثورات فاشلة، وهى التي لم تنجح في تأمين الحكم بعد انتصارات مؤقتة أو كبيرة في تعبئة المؤيدين لها وتشجيع انصارها على الاستمرار في دعمها شعبيا وسياسيا. وثمة ثورات عنيفة ضد العنف، خاصة وان علم السياسة يستخدم مصطلح «الثورة» للدلالة على ما تم احداثه من تغييرات كبيرة خارج المجال السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي، ثم الفكري كآخر مرحلة من التغيير. وعادة ما يتم التعرف على الثورات، عبر التأكد من وجود تحول في فلسفة المجتمع والثقافة والتكنولوجيا أكثر بكثير من الأنظمة السياسية. لماذا كل هذه التعريفات للثورات ومفهومها ومسبباتها.. اعتقد الوقت مناسب تماما لعقد مقارنات عديدة بشأن الثورات، وتحديدا ما يجري في مصر من ثورة منذ يناير الماضي وتمتد حتى اليوم، ولا نستطيع ان نجزم بمدى نجاحها في ظل الفوضى التي تعتريها الان. فبالامس القريب، اختار ميدان التحرير او « ثوار الميدان» رئيس وزراء من بينهم، او هكذا قالوا حينذاك. وعندما ادرك هؤلاء الثوار او الثائرون او المتثورون، ان رئيس الوزراء عصام شرف الذي سبق واختاروه وحملوه على الاعناق ليس هو الشخص المناسب لادارة شؤون مصر في هذا الوقت العصيب، فعادوا ليضعوه في نفس المقارنة مع حكومة النظام السابق ونعته بنفس الاوصاف التي التصقت بحكومة احمد نظيف اخر حكومات ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير. فالفشل اصبح لصيقا بعصام شرف، وعدم تفهمه لمقررات الثورة كان احد اسباب غضب ميدان التحرير عليه، ومن ثم المطالبة بخلعه، خاصة وان « الخلع» اصبح مسألة سهلة في حياة المصريين، سواء على المستوى الاجتماعي، واعني بين الازواج، ثم وهو الاهم، خلع حكامهم. المشكلة في مصر الان على ما اعتقد، ان الثائرين لا يعون ما يدور حولهم من حيل وخداع، واعتقد انهم لم يعوا حتى حقيقة مبلغ الـ400 مليون دولار التي تم دفعها لمنظمات المجتمع المدني، وما حقيقة هذا المبلغ الضخم، الذي كان بامكانه فتح مصانع وشركات وتمويل موازنة مالية مرهقة بفعل توقف المدن الصناعية وفزع مجتمع رجال الاعمال من نتائج الثورة. واعتقد انه كان يجب على المصريين الثائرين في ميدان التحرير ان يتساءلوا من أين حصلوا على هذه المبالغ، واين صرفوها، ومصادر تمويلها.. وما كانت النتيجة الفعلية؟!!. فالخلع تم وبسلام، فلماذا التربح اذا من الخارج من جهات اجنبية غير مأمونة الجانب. فوزيرة الخارجية الامريكية السابقة كوندوليزا رايس نادت طويلا بفكرة ومشروع الشرق الاوسط الكبير والذي ايدها فيه الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز، وذلك عبر تمرير مشروع « الفوضى الخلاقة « في المنطقة. والان، نرى كوندوليزا خارج البيت الابيض، ولكن افكارها ومشروعاتها تتحق على الارض، ليتحقق مشروع « الفوضى الخلاقة» ولكن مع تغيير المسمى الى « الفوضى الهدامة «، ولكن للاسف، فان بعض الشعوب يغيب وعيها عن حقيقة ما يجري حولها، ثم تفيق بعد فوات الاوان. ونحن نتحدث اليوم عن الثائرين في ميدان التحرير في مصر، نتذكر ثورة 23 يوليو المجيدة، التي ظلت نبراسا لشعوب المنطقة. فهي ثورة مباركة شارك فيها الشعب بتأييده الضباط الاحرار، لتشمل هذه الثورة كل الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى مصر. فثورة 23 يوليو أحدثت في حياة مصر تغيرات وتطورات بعيدة المدى عميقة الأغوار، وإضافات جبارة لا تخطئها عين في كافة ميادين الحياة.. فثورة يوليو حققت التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آن معا، لأنها في كل هذه الميادين الثلاثة لم تقصر أمرها على السطح دون الأساس. فهي ثورة سياسية لأن نمط الحكم قد تغير من أساسه فأصبح حكما جمهوريا، ولم تكتف بتبديل حكومة باخرى، لانها لو فعلت هذا لاطلقنا عليها مجرد انقلاب في الافكار او على الحكومة القائمة. وعلى المستوى الاقتصادي، كانت ثورة اقتصادية، لأن نمط الإنتاج والتوزيع والملكية قد تغير من أساسه، فاصبح الجانب الهام من ذلك كله في يد الدولة توجهه إلى الشعب العامل بعد أن كان في أيدي أفراد يوجهونه إلى القلة القليلة. ولم تكن الثورة الاجتماعية بعيدة عن اعين ثوار يوليو، لأن هيكل البناء الاجتماعي قد تغير من أساسه، فأصبح الزمام في أيدي قوى الشعب العامل بعد أن كان الزمام في أيدي من يملكون ولا يعملون. بامكاننا القول ان كل ما حققته ثورة يوليو سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يندرج في تعريف الثورة الحقيقية، رغم ما شابه الثورة من بعض الاخفاقات والانتكاسات، ولكن في النهاية كانت ثورة ناجحة وملهمة لشعوب المنطقة وافريقيا، بدليل معاداة الغرب لها ولزعمائها. ولكن ما يحدث الان، فهو ليس ثورة، وانما ربما كان مجرد تغيير في الاشخاص وليس النظام، لانه لو كان كذلك، لما حصلت بعض منظمات المجتمع المصري على مبلغ 400 مليون دولار من الولايات المتحدة وحولته الى حسابات خاصة. وانما الثورة هو ان يساهم كل دولار في عملية التنمية ودعم الاقتصاد وتوفير فرص عمل لشاب، وليس ان يستفيد نفر قليل من تلك المنح. إن طريق الثورة معروف للجميع، هو ان يحقق طفرة سياسية واصلاحات ديمقراطية، وهو ان تبنى اقتصادا قويا، وان تبنى مجتمعا مستقلا لا يحتاج. فاذا حققت حركة 25 يناير هذه الطفرة، لكتب انها ثورة حقيقية، واذا استمرت حالة الفوضى الحالية، لوصفناها بالانقلاب السريع غير المدروس.. فمستقبل الثورة يستفيد منه كل اطياف الشعب، وانما مكاسب الخلع تذهب لحفنة قليلة جدا من الاشخاص الذين يبيعون انفسهم للشيطان، وللاسف يجرون معهم الشعب. على المصريين ان يوجهوا ابصارهم الى الامام، ولا ينظرون خلف رؤسهم، فالعظيم هو من يتقدم للامام وليس ان يتراجع للخلف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها