النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ســنية أم شــيعية؟!

رابط مختصر
العدد 8142 الثلاثاء 26 يوليو 2011 الموافق 25 شعبان 1432

في فبراير الماضي كان عيد الميلاد العاشر لـ «فرح». أبواها اتفقا منذ بداية الشهر على إعداد كعكة كبيرة بحجم الفرح الذي كان ينتظران أن يظللها، وزيّنا صالة البيت بالزينة وطَبَعا البطاقات لأصدقاء فرح وصديقاتها واتفقا على وضع الطاولات والكراسي في الصالة على هيئة الرقم «10» احتفالاً بابنتهم الوحيدة التي كان من المفترض أن تلاقي الفرح في قادم حياتها، ولكنّها لم تستقبل الفرح، لأنّ أعاصير الكراهية والحقد كانت أكبر من نسائم الفرح، واستيقظت في يومها الموعود ولم تجد أمامها هدايا ولا أصدقاء ولا زينة. «فرح» هي الابنة الوحيدة لأب سنّي وأم شيعية. أسمياها فرح لأنها أشاعت الفرح في بيتها منذ أن أكّدت الطبيبة للزوجين أنّ مولوداً بانتظارهما. وكم كانت السعادة غامرة للزوجين حين أطلّت فرح للحياة وأطلقت صياحها المبهج في ليلة لا تُنسى من ليالي فبراير الربيعية. ولم يجد الأبوان صعوبة في تحديد الاسم لمولودتهما البكر، لأنّ الفرح الذي غمر الزوجين هو من أسماها «فرح». خلال السنوات العشر المضيئة من عمر الزوجين، لم يُفتح بينهما حديث حول هوية فرح، وما إذا كانت ستغدو سنّية أم شيعية، ولم ينشغلا أبداً بكيفية الصلاة التي ستصليها ابنتهما، وما إذا كانت ستصلّي على تربة الحسين أم ستصلي واضعة كفّيها على صدرها. وما كان يدور في بالهما ما إذا كانت ستلبس ثياب العيد في اليوم المحدّد رسمياً للعيد أو في اليوم الذي يليه. فقد كان الفرح الذي يملأ قلبيهما أكبر من أن ينشغلا بهذه الأمور. وفي ليلة ليلاء من ليالي ديسمبر الباردة استيقظت الزوجة مذعورة. انتبه الزوج فهبّ إلى زوجته ليُطفئ روعها بالماء البارد وسألها عمّا بها. فروت له ما رأته في المنام. رأت أنّ فأساً يهبط من السقف ويقسم سريرهما نصفين. فضمّها الزوج إلى صدره وربت على كتفها وقال لها: «إنّ هذه أضغاث أحلام. نامي مرّة أخرى وستحلمين بإذن الله بكلّ ما يسعد قلبك ويطمئن نفسك». تكرّر الحلم مرّات ومرّات. وفي كلّ مرّة تزداد الزوجة فزعاً، ويزداد إيمانها بأنّ للحلم تفسيراً. رفعت سمّاعة الهاتف واتصلت بالشيوخ والمفسرين. أحدهم قال لها إنها ستحمل وستنجب ولداً مشاغباً، وأحدهم قال لها بأن الله سيمنّ عليها بالهداية وستلبس الحجاب، والآخر قال لها بأنّ الديون سترهقها وستحطم حياتها هي وزوجها. ولكن كلّ هذه التفسيرات لم تُطمئن الزوجة ولم تقنعها. وفي صباح من صباحات فبراير، كانت فرح تلعب في حديقة المنزل، ودخلت على الزوجين وهما يتناولان الفطور حاملة في يدها فأساً. هبّت الزوجة مذعورة من مكانها والتقطت الفأس من يد ابنتها، وقالت للزوج: «إنه هو.. إنه هو.. نفس الفأس نفس الفأس». سأل الزوج ابنته: «من أين لك هذا؟»، فقالت: «لقد وجدته في الحديقة وأنا ألعب»! وبعد عدّة أيام، لم يحتج سرير الزوجية إلى حلم ولا إلى فأس لكي يقسمه نصفين. فقد توجّهت الزوجة إلى الدوّار، وتوجّه الزوج إلى الفاتح. هذا يهتف وتلك تهتف. هذا يريد الوطن بالطول وتلك تريد الوطن بالعرض. وحين يعود الزوجان إلى البيت، يتكلمّان فيما لم يتكلّما به خلال السنوات العشر الماضية، عن «نحن» و»أنتم»، وعن الظلم وعن المحاباة وعن التمييز وعن الخيانة. أما فرح التي لم تكن تعرف خلال سنواتها العشر الماضية غير الفرح، فلم يعد للفرح مكان في قلبها، وأصبح الفأس هو لعبتها الوحيدة التي تتسلّى بها أثناء ذهاب أبيها وأمها للهتاف في الشارع العام. وفي عيد ميلادها الذي لم يحضره الضيوف، وأوقدت فيه نصف الشموع، والذي نسيت فيه الأم كاميرا الفيديو في الدوار، ونسي فيه الأب هديته الثمينة على رصيف الفاتح، لم يكن الفرح حاضراً أيضاً، فقد كانت قبلة الأم لابنتها فاترة جداً، وكانت ضمّة الأب لابنته أشدّ فتوراً. ولم تمضِ سوى دقائق حتى اشتعل أوّل عراك بين الزوجين في حياتهما الزوجية، فالأم كانت تريد أن تأخذ ابنتها إلى الدوار، وكان الأب يريد أن يأخذ ابنته إلى الفاتح. ومنذ ذلك اليوم المشئوم لم ينم الزوج والزوجة في سرير الزوجية. اختارت الزوجة أن تعود إلى بيت أبيها، ولم يعد للزوج من خيار سوى أن يبعث لزوجته بورقة طلاقها. أما فرح فقد غابت فرحتها وضحكتها ومرحها منذ أن وقع الطلاق بين أبويها، ومنذ أن سمعت للمرّة الأولى سؤالاً ظلّ يتكرّر طويلاً بعد ذلك: «هل أنت سنّية أم شيعية؟».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها