النسخة الورقية
العدد 11150 السبت 19 أكتوبر 2019 الموافق 19 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

معضلة الثورة المصرية

رابط مختصر
العدد 8138 الجمعة 22 يوليو 2011 الموافق 21 شعبان 1432

معضلة الثورة المصرية لا تتبدى فقط فيما توصلنا إليه من تحليلات في مجموعة المقالات السابقة، والتي تشير إلى الوضع المضاد، بطريقة شبه تامة، لإمكانية قيام ثورة حقيقية في مصر، تنقل الشعب المصري من ورطته الحضارية وحالة ركود طويلة، قد يكتفي البعض بإرجاعها لستة عقود مضت، وقد يذهب آخرون أبعد من هذا قروناً أو حتى عشرات القرون في عمق التاريخ المصري الممتد. المعضلة ماثلة الآن بجلاء على أرض الواقع، نتبينها في حشود المتظاهرين والمعتصمين في كافة ميادين تحرير المدن المصرية، وأيضاً على وجوه عامة الناس السائرين في الشوارع، وعلى ألسنة ربات البيوت وسائقي التاكسي والميكروباص والباعة الجائلين أو غير الجائلين. الجميع الآن يعلو وجوههم الوجوم، بعدما كانت تشهد فرحة الأمل والسعادة والانتصار!! ربما أكون بحاجة لتأكيد أنني لا أرضى لنفسي إلا أن أكون من الثوار ومعهم وبهم، وأن أعز أمنية لي فيما تبقى من سويعات العمر، هي أن أشهد مصر جديدة. مصر حديثة تسير في طريق النمو والتطور والرخاء، وليست مصر التي عرفتها طوال ستة عقود هي عمري. رغم هذا، بل ولهذا بالتحديد أحاول قدر جهدي البحث عن الحقائق، ومواجهتها بجرأة وشجاعة، مهما كانت مضادة لما أتمنى. من منا ينكر أن التشخيص السليم للحالة هو الباب الذي يتحتم الدخول منه للبحث عن الدواء الشافي؟! الحقيقة المريرة هي أن نظام مبارك ليس فقط متجذراً في المجتمع، لكنه إفراز ذلك المجتمع وابنه البار بتوجهاته وميوله. نعم الجميع ناقم على هذا الابن، ناقم على النتائج المترتبة على أدائه، لكن عدم رضاك عن ابنك لا ينفي أنك من ربيته على سلوكياتك وأفكارك، وأنه أيضاً قد ورث ضمن ما ورث جيناتك. تلك القطعان من الجماهير التي تعشق الخنوع وتبحث طيلة الوقت عمن يقودها وهي صاغرة صامتة، على أمل أن يوردها إلى مواطن الكلأ والماء. فالمعضلة الحقيقية هي أن أي عملية إعادة بناء الآن لن تنتج لنا إلا نظاماً يحوي من نظام مبارك الشيء الكثير، وعلى أحسن الاحتمالات تتساوى احتمالات أن يكون أسوأ قليلاً، مع احتمال أن يكون أفضل بعض الشيء. نعم كانت الانتخابات في عهد مبارك تزور تزويراً فجاً، لكننا مع ذلك نزعم أن نتائجها بمن تصل بهم إلى مقاعد البرلمان، لم تكن أسوأ ولا أبعد تمثيلاً لحقيقة الشارع المصري، من تلك النتائج التي يمكن أن تترتب على أي اتنخابات نزيهة، دليلنا في زعمنا هذا ما رأيناه في نتائج انتخابات مجلس الشعب في 2005، حيث أنقذ الحزب الوطني أغلبيته البرلمانية عن طريق ضم مستقلين، منهم من كان قد فصله الحزب لتقدمه للترشح خروجاً على قرارات الحزب وترشيحاته. هذا يعطينا الحق في الادعاء أن الحزب الوطني الذي يستنزل الجميع عليه اللعنات الآن هو في جميع الأحوال الممثل الحقيقي للشارع المصري، بغض النظر عن فرض أشخاص بعينهم واستبعاد آخرين، وفقاً للمثل العامي المصري «أحمد زي الحاج أحمد»!! لم يكن مبارك وحزبه ومؤسساته مهيمنة واستبدادية بالصورة التي تبدو الآن في خطاب الثورة، بل العكس تماماً هو الصحيح، فقد كان أداء الدولة بجميع أجهزتها رخواً، ويخلو قاموسها تماماً من الحسم وتفعيل سيادة القانون، بالطبع فيما عدا حالات المس بالنظام ورموزه، ولم تكن سياسة اللاحسم تلك مجرد خيار مباركي مزاجي، لكنها كانت نتيجة لحقائق الواقع في الشارع المصري، تعكس ما فيه من تشرذم لتيارات تتراوح من أقصى اليمين الديني الإسلامي، إلى اليسار الناصري والعروبي، كما كان حجم الإصرار الشعبي على السلوكيات العشوائية وعدم الالتزام بالقانون، أكبر مما يمكن السيطرة عليه من قبل أجهزة دولة، هي أصلاً جزء من هذا الشعب، وتتمثل فيها قيمه وسلوكياته. أعتقد أن الدولة مثلاً قد بذلت أقصى جهد ممكن للسيطرة على عمليات تجريف وتبوير الأراضي الزراعية، ومع ذلك فالفشل الذريع هو النتيجة التي شهدناها ومازلنا نشهدها. نفس هذا نقوله على الانضباط في الشارع المصري، الذي يحتله الباعة الجائلون وأصحاب المحلات والمقاهي، وعبثاً تحاول أي قوة تنظيمه، نتيجة للإصرار المستميت من الشعب المصري «الأصيل والبطل» على الضرب على عرض الحائط بالقانون والنظام!! نستطيع أيضاً المقارنة بين عشوائية حركة مرور السيارات رغم تواجد الشرطة، بانتظام المرور في دول أخرى اعتماداً على آلية إشارات المرور، دون تواجد منظور للبوليس، على أساس أن المخالفة المرورية هي الاستثناء والالتزام هو القاعدة، في حين أن الوضع في بلادنا يعد فيه الالتزام هو الاستثناء والمخالفة هي القاعدة!! موقف نظام مبارك المتلون والمراوغ من الجماعات الدينية الإسلامية، هو مجرد انعكاس لموقف المجتمع من هذه التيارات، والذي يتراوح بين التأييد المطلق والرفض المطلق وما بينهما. كذا موقف الدولة من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والبابا شنودة، والذي تجلى فيه في أكثر من موقف، تخلي الدولة عن مواطنيها الأقباط، ليكونوا مواطني الكنيسة بزعامة بطريركها، تفعل بهم ما تشاء، وتحرمهم من حقوقهم الإنسانية في الزواج والطلاق كما تشاء، هذا الموقف ليس أكثر من انعكاس لحقيقة تقديس أغلبية الأقباط الكاسحة للبابا ربما إلى ما قرب التأليه. لهذا من الطبيعي أن يتحسب الليبراليون ودعاة الحداثة عند الحديث عن ديمقراطية صندوق الانتخاب، فنظام مبارك في الحقيقة كان ديمقراطياً إلى أقصى درجة في أدائه وإلى حد التفريط، إذا اعتبرنا الديمقراطية تعني الاستجابة لرغبات الشعب، وإن لم يكن كذلك في انتقاء شخوص نظامه. هذا المنطق نفسه كان عبدالناصر يدعيه، بأن ديمقراطيته تنبع من احساسه بمطالب الجماهير والعمل على تحقيقها. على هذا النهج ذاته مع الفارق سار مبارك. هو رئيس لشعب عشوائي منغلق الفكر وذو نخبة باختلاف تنوعاتها فاشية وعالية الصوت، وكان عليه لكي يظل على كرسيه أن لا يغضبها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وربما أطرف معالم خنوع الدولة للشعب المعلم «على حد قول عبدالناصر»، نجده في حالة امتحانات الثانوية العامة، بطريقة وضع الأسئلة ثم توزيع الدرجات، والتي نرى نتيجتها حصول أعداد هائلة على تقديرات تفوق 100%، ثم ما يترتب على ذلك من مذبحة ارتفاع معدلات درجات الالتحاق بكليات القمة، ناهيك عن قبول أعداد تفوق بأضعاف قدرة الجامعات على الاستيعاب، وإنتاج خريجين عديمي التأهيل العلمي تقريباً، كما سوق العمل لا يحتاجهم. هذا النفاق المدمر للمجتمع لن تنجو منه أي حكومة منتخبة الآن بطريقة ديمقراطية، بل ربما سيكون الحال أسوأ بمراحل، ليس في قطاع التعليم فحسب، بل في كل مناحي الحياة المصرية. المعضلة إذن أن بين الشعب المصري وبين الثورة الحقيقية على أحواله، وليس فقط على حكامه، عقود عديدة، يدركون خلالها حقيقة ما يحدث حولهم في العالم من تطور، ويدركون حقيقة وضعهم المتردي، وأنه لا مناص لتغيير أوضاعهم، إلا بتغيير ثقافتهم وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم وسلوكياتهم. لكن شبابنا قد أدخلنا رغماً عن أنوفنا وفي غفلة منا إلى ثورة، عظيمة. عليه إذن أن يستمر في ثورته، وأن يكون طويل النفس معنا ومع نظامنا الذي تجذر في حياتنا، حتى يأتي اليوم الذي نستطيع معاً أن نقتلع القديم، ونلقي به إلى محرقة لتأكله النيران، ونؤسس حياة جديدة في مصر الجديدة. بالاتفاق مع ايلاف

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها