النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

درس من تايلاند للمعارضة البحرينية

رابط مختصر
العدد 8133 الأحد 17 يوليو 2011 الموافق 16 شعبان

كتبت مؤخرا عن نتائج الانتخابات التايلاندية الأخيرة، وأتابع هذا الأسبوع الكتابة في الشأن ذاته على ضوء ما استجد من معلومات، لكن من زاوية المقارنة مع الشأن البحريني. قد لا تكون المشتركات ما بين تايلاند والبحرين كثيرة، فالأولى كبيرة نسبيا ويسكنها أكثر من 60 مليون نسمة، ودشنت عمليتها الديمقراطية في عام 1932، ويقوم اقتصادها أساسا على السياحة والخدمات والتصدير إلى الخارج، فيما الثانية بلاد صغيرة مساحة وسكانا، ومتواضعة في مواردها الطبيعية، وذات اقتصاد ريعي، وتركيبة سكانية منقسمة طائفيا. غير أن في كلا البلدين شعبا متعلما يحب وطنه ويتمنى له السير في طريق الرخاء، وصولا إلى الأفضل في عالم مضطرب وشديد التنافس والتداخل. وفي كلا البلدين مظاهر تنموية لا تخطئها العين وبنى تحتية ومرفقية متينة. كما أن كلا البلدين شهدا مؤخرا تجربة مريرة غير مسبوقة في تاريخهما، كادت أن تدمر كل ما بنته السواعد الفتية على مدى عقود طويلة. فتايلاند، التي بزت دولا آسيوية أخرى في كل شيء تقريبا، دخلت في عام 2009 في اضطرابات سياسية وأعمال عنف وفوضى، واحتلال للمباني الحكومية في وسط العاصمة، وذلك حينما قاد من عرفوا بـ «ذوو القمصان الحمراء» من أتباع رئيس الحكومة المخلوع «تاكسين شيناواترا» تمردا شعبيا ضد الحكومة والجيش. وكان من نتائج تلك الأعمال الفوضوية أن تضرر اقتصاد البلاد بشدة، وخسر الكثيرون أعمالهم وأرزاقهم. لكن الضرر الاقتصادي لم يكن ليقارن بما حدث على صعيد تمزق اللحمة الوطنية، وانقسام المجتمع التايلاندي، المعروف بالوداعة والتسامح والطيبة، إلى معسكرين تميزها الألوان والخلفيات الاجتماعية: ذوو القمصان الحمراء الموالون للمعارضة والمنحدرون من الأرياف الفقيرة، ممن لا يحتكمون إلا على قدر متواضع من العلم والمعرفة، وذوو القمصان الصفراء المؤيدون للحكومة والمؤسسة الملكية، وجلهم من الكوادر المتعلمة من سكان الحواضر والمدن. وكحل لإخراج البلاد من العنف السياسي وتقليص الهوة ما بين المعسكرين المذكورين، تحملت مؤسستا الجيش والبلاط الملكي مسؤوليتهما إزاء الوطن وشعبه، وقادتا حوارا سريا مضنيا مع رموز المعارضة في مكان ما خارج تايلاند (أي على عكس حوار التوافق الوطني الجاري حاليا في البحرين). ولأن الحوار السياسي يقوم عادة على تبادل التنازلات، وليس على المواقف المتخشبة الاستعلالية، فإن المعارضة التايلاندية وافقت على التهدئة وعدم التصعيد من أجل تهيئة ظروف نموذجية لإجراء انتخابات نيابية جديدة. كما وافقت على ألا يتبع وصولها إلى السلطة قيامها بأعمال انتقامية أو كيدية ضد قوات الجيش التي قمعت أنصارها بوحشية، وقتلت منهم ما لا يقل عن 91 شخصا، وجرحت نحو 1500 فرد. وعلاوة على ذلك وافقت على تحجيم أصوات مناصريها المتطرفين ممن لا يكفون عن التعرض بالسوء للملك والجيش. ولا نريد هنا الاستطراد، لأن بقية القصة معروفة وتناولناها سابقا، لكن من الأهمية بمكان أن نشدد على أن المعارضة التايلاندية التزمت بوعودها، ولعبت دورا مهما في إجراء انتخابات الثالث من يوليو في جو هادئ، وبعيد عن التصعيد والتحريض وشعارات التخوين والتجريم وإسقاط الملكية. وبعبارة أخرى، فلا المعارضة سلت أسلحتها وجندت أجهزتها الدعائية لتخريب العملية الانتخابية أو ازدرائها أو التشكيك في نزاهتها، ولا الحكومة ومؤسسة الجيش تآمرتا عليها بالتزوير وشراء الأصوات. على أن الأهم مما سبق هو الطريقة المتحضرة التي تعاطى معها التايلانديون، إضافة إلى الحكومة ومؤسستي الجيش والبلاط الملكي، مع نتائج الانتخابات التي اكتسحتها المعارضة بفارق كبير عن الحزب الحاكم (الحزب الديمقراطي) بقيادة رئيس الوزراء «أبهيسيت فيجاجيفا». فالأخير أقر بهزيمته فورا، وقدم التهاني لخصمه السيدة «يينغلوك شيناواترا»، بل أعلن لاحقا مسئوليته عن تلك الهزيمة، وتقدم باستقالته كزعيم لحزبه، مثلما يفعل كل الديمقراطيين حينما يفشل أداؤهم، طالبا من رموز حزبه أن يبحثوا لهم عن قائد جديد. أما السيدة شيناواترا فلم تظهر عليها نوازع الغرور والانتقام في خطابها الأول للتايلانديين، بل على العكس من ذلك، قدرت لخصمها إدارة البلاد في «ظروف صعبة»، وأكدت على ضرورة نسيان الماضي، والعمل من أجل المصالحة الوطنية. واما الجيش الذي قام بنحو 18 انقلابا عسكريا حتى الآن، إضافة إلى تدخلاته المتكررة في الحياة السياسية، فإنه هو الآخر قبل بنتائج الانتخابات، ووعد بعدم التدخل في أعمال الحكومة المدنية مستقبلا. فإذا ما تحدثنا عن البحرين فسنجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تماما. ففي البحرين تجربة ديمقراطية وليدة لم يمض عليها سوى عشر سنوات، ورغم ذلك غيرت وجه البلاد كليا. ونجد تجليات ذلك في وضع دستور جديد من بعد التصويت الشعبي بنسبة فاقت 98 بالمئة على «ميثاق العمل الوطني»، وتبييض السجون من معتقلي الرأي، والسماح بعودة كافة المبعدين، وإطلاق حرية العمل السياسي والتظاهر والاعتصام السلميين، وإلغاء قانون أمن الدولة الذي كان يحاسب الناس على آرائهم، بل وينفيهم إلى خارج الوطن، والترخيص للعمل النقابي وتأسيس منظمات المجتمع المدني (ارتفع عددها في غضون سنوات قليلة إلى أكثر من 500 منظمة مهنية وحقوقية ونسائية وخيرية). إلى ذلك تجلت العملية الإصلاحية في قيام برلمان منتخب ومجلس شورى مطعم بذوي الكفاءات والخبرات وممثلي الأقليات الدينية والعرقية، وإجراء انتخابات بلدية أعطت حق الاقتراع لأول مرة للوافدين، إنطلاقاً من مفهوم أن الخدمات البلدية حق لكل السكان وليس للمواطنين فقط. وفيما يتعلق بالشق الأخير فإن البحرين سبقت المغرب الشقيق بعشر سنوات، حيث لم يتطرق المشّرع المغربي إلى هذا الحق إلا مؤخرا حينما طـُرح دستور جديد للاستفتاء الشعبي، وهو ما أغفل ذكره كاتب كويتي مرموق في معرض إشادته بالإصلاحات السياسية المغربية في مقال كتبه مؤخرا. وما بين هذا وذاك شهدت البحرين لأول مرة إنشاء المحكمتين الدستورية والرقابية، وتأسيس مجلس أعلى لشؤون المرأة ومنظمة وطنية معنية بحقوق الإنسان، ووضع ضوابط قضائية للقبض والاستجواب والتحقيق. الغريب أن كل هذا لم يمنع بعض القوى المحلية التي تسمي نفسها بـ «المعارضة» من التشهير ببلادها والادعاء بأن الإصلاحات كانت «شكلية»، على الرغم من مشاركتها في العملية الإصلاحية، وقطف رموزها لأكبر قدر من ثمارها ومزاياها، مناصب ورواتب ومخصصات ورحلات مجانية. وياليتها اكتفت بذلك فحسب، إنما دفعها غرورها ورؤيتها القاصرة وأجندتها الخفية إلى الانزلاق نحو التصعيد والتخريب والمطالبة برحيل الأسرة الحاكمة وإعلان الجمهورية، مستنسخة ما حدث في دول عربية أخرى، لامجال إطلاقا لمقارنتها بالبحرين في الجوانب الديمقراطية والمعيشية والحقوقية والتنموية. وهكذا شهدت البحرين في فبراير ومارس الماضيين أكبر اضطرابات وأفدح حوادث تخريبية في تاريخها المعاصر، وبما أدى إلى انقسام طائفي بغيض للمرة الأولى في مجتمع عرف على الدوام كمثال للتعددية والتسامح والمصالحة والسلام. والغريب أيضا هو أن من ارتكب تلك الحوادث بحق وطنه، بل وأذى جماهيره في أرزاقهم ومصالحهم، لا يزال يكابر، ولا يعترف بأخطائه، ويتمسك بمناصبه الحزبية رغم شعاراته الديموقراطية، بل وصار يشكك منذ الآن في نتائج الحوار الوطني ويهدد بالتصدي لها إن لم تأت على قياسه. أما الأغرب من كل ما سبق فهو أن بعض الدول الغربية رحبت بالاصلاحات البحرينية السياسية بمجرد إطلاقها، بل واعتبرتها حينذاك كنموذج يحتذى به، قبل أن تنقض كلامها اليوم وتقف في صف من لا يريدون الخير والأمن والسلام لمنطقة الخليج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها