النسخة الورقية
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

متى نتخلص من شرطي العالم والتشدق بالعلاقات التاريخ

رابط مختصر
العدد 8132 السبت 16 يوليو 2011 الموافق 15 شعبان

عندما تعلل الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالتكلفة كسبب في إعادة القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، أشار إلى أن تكلفة الحروب الأمريكية تبلغ تريليون دولار. ورغم ان هذا المبلغ في حد ذاته هائل، فإن ذلك الرقم يقل بصورة كبيرة من إجمالي تكلفة الحروب في العراق وأفغانستان وباكستان، ويتجاهل المزيد من التكاليف التي ستتكبدها الولايات المتحدة طبقا لدراسة صدرت عن معهد واتسون للدراسات الدولية التابع لجامعة براون الأمريكية بعنوان (تكاليف الحروب) وتؤكد ان إجمالي التكلفة ستكون 3.7 تريليون دولار على الأقل ومن الممكن أن تصل حتى إلى 4.4 تريليون دولار. ربما لا نلتفت الى التكلفة الأمريكية، ولكن ما يهمنا فى هذا المقام هو التكلفة البشرية، حيث لقي نحو 258 ألفا حتفهم مباشرة من جراء الحرب تحديدا فى العراق وحدها، بينهم حسبما اشار التقرير125 ألف مدني. فيما أصيب 365 ألف شخص وأصبح 7.8 مليون بلا مأوى. ورغم هذا الرقم المفزع، فالجيش الأمريكي لا ينشر تقريراً مفصلا للقتلى.. بدليل ما ذكره تومي فرانكس القائد الأمريكي السابق في العراق في عبارة شهيرة بعد سقوط صدام في 2003: «لا نحصي أعداد القتلى». التقرير الأمريكي لم يتساءل عما جنته الولايات المتحدة من استثماراتها التي بلغت عدة تريليونات من الدولارات في تلك الحروب المتكررة في دول منطقة الشرق الأوسط. أي نعم قتلت أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وتخلصت من الرئيس العراقي السابق صدام حسين.. لكن لا يمكن على الإطلاق القول ان العراق وأفغانستان أصبحا نظامين ديمقراطيين مستقرين، في حين زاد نفوذ إيران في منطقة الخليج، ومازالت حركة طالبان رغم الإطاحة بحكومتها في أفغانستان قوة عسكرية لا يستهان بها هناك، ولاتزال القاعدة في أفغانستان قادرة على شن عمليات معقدة ومركبة في شتى أنحاء العالم. ومع ذلك، نفاجأ بتصريحات لبعض الأمريكيين يتشدقون فيها بأن الولايات المتحدة نجحت بشدة في حماية الوطن، بسبب عملياتها العسكرية خارج الوطن، ولكن بالتأكيد على حساب مواطنين لأوطان أخرى، وطبيعي ألا يهتم الأمريكيون بقتلى غيرهم من الشعوب. واذا كان حديثنا عن العراق وافغانستان يرتبط بالدوافع السياسية الامريكية المخزية لاحتلال بعض دول المنطقة واستغلال ثرواتها والسيطرة على مقدراتها السياسية والاقتصادية، فثمة قضية اخرى يمارسها الامريكيون في الوقت الراهن، وتتعلق بما يجري في المنطقة من احداث وتطورات خاصة منذ تغيير الانظمة الحاكمة في مصر وتونس.. فالولايات المتحدة تستبدل الان سياسة الغزو والاحتلال والقتل، بالتدخل غير المباشر لاجراء تغيير الانظمة، عبر الانتهاكات الامريكية لكافة القواعد المرعية بروتوكوليا ودبلوماسيا في الدول العربية. وعلى سبيل المثال، ما حدث في سوريا حيث زار روبرت فورد السفير الأمريكي لدى دمشق مدينة حماه التي شهدت توترا خلال الفترة الماضية، ومكث فيها اكثر من يوم بدون علم السلطات السورية، رغم ان الاعراف الدبلوماسية تتطلب منه طلب اذن مسبق بالزيارة ويجب عدم اتمامها بدون الحصول على هذا الاذن. ودفع موقف السفير الامريكي وهو موقف بالمناسبة متغطرس جدا، الخارجية السورية الى ان تشن حملة ضده، وهي محقة في هذا، فهو خالف التعليمات المعممة على جميع السفارات بعدم سفر المبعوثين الى مناطق التوتر. فموقف السفير الامريكي في تقدير دمشق هو تورط امريكي سافر في الشؤون الداخلية السورية والتحريض على تصعيد الاوضاع وتصرف غير مسؤول. الغريب ان يشارك السفير الامريكي فور وصوله الى مدينة حماه في اجتماع ضم أهالي المدينة وأئمة الجوامع والسلطات المدنية بالمدينة لحل المشكلة فيها، وهو ما فسرته دمشق بأنه تدخل من واشنطن لمنع حل هذه المشكلة. والتساؤل الحقيقي:» كيف وصل السفير الأمريكي الى حماه في مناطق يقطع طرقها حملة السلاح.. ومن أوصله إلى مقر اللقاء في احد مساجد المدينة دون أن يتعرض له أحد من المسلحين الموجودين في الشوارع الذين منعوا الموظفين في مدينة حماه من الوصول إلى وظائفهم؟». الاجابة الفورية التى تتبادر الى الذهن مباشرة هو ان الولايات المتحدة ترفض فكرة الحوار في سوريا .. وتتدخل بصورة سافرة في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة ذات سيادة ودليلا فاضحا على الدور الأمريكي في توتير الأجواء في سوريا ومحاولة الالتفاف على تحسن الأوضاع في البلاد. هذا التصرف الأمريكي يذكر بأسلوب المندوب السامي ولغة الحقبة الاستعمارية في التعاطي مع الدول ويضع الحواجز بين أبناء الوطن الواحد. ولعل كل هذا يتناقض في الواقع مع ما تردده واشنطن يوميا بالدعوة إلى الحوار والحلول السياسية والإصلاحات، مما يؤكد ارتباط هذه التحركات المريبة مع الأجندات الخارجية التي تهدف إلى ضرب أمن واستقرار سوريا. تصرف اخر قد اراه مثيرا للشبهات ايضا وهو اعلان السيناتور الجمهوري جون ماكين المؤيد للثوار في ليبيا تنديده بموقف الكونجرس الامريكي عندما رفض تمويل وتسليح الثوار، ووصفه ذلك الموقف بانه «مثير للقلق» ويوجه الرسالة الخاطئة إلى الرئيس الليبي معمر القذافي وللذين يقاتلون من أجل الحرية والديمقراطية في ليبيا، خصوصا أن نظام القذافي بات ينهار بوضوح. فاذا كان نتيجة علاقاتنا مع امريكا القوية انها تتآمر علينا وعلى شعوبنا وعلى منطقتنا خاصة الخليجية، فامامنا فى الوقت الراهن حل اخر بديل للعلاقات التى نتشدق بها ونقول عنها انها تاريخية واستراتيجية.. هذا الحل يتمثل فى رأيي المتواضع، تكريس علاقات استراتيجية مع قوى سياسية واقتصادية اخرى غير الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين والاتحاد الاوروبي. فتنويع مصادر التعامل الاقتصادي والتفاهم السياسي مع قوى متعددة، لامر مهم لنا كمنطقة خليجية اولا، ثم عربية ثانيا. وبامكان حكوماتنا الان التركيز على مستقبل العلاقات مع الجيران، فهم على الاقل اقرب لنا من امريكا، على ان نمنح الشركاء الجدد الاولوية في الروابط الاقتصادية والتجارية والسياسية، او على الاقل نمنحهم نفس الامتيازات الامريكية، فهم وعلى الاقل ايضا لا يقتلون شعوبنا ولا يحتلون اوطاننا، ولا ينفقون تريليونات الدولارات لغزونا وفرض هيمنتهم علينا. فتوثيق العلاقات مع كل القوى العالمية والاقليمية لامر مهم للغاية فى هذا التوقيت الصعب، خاصة وان امريكا ليس لها صديق دائم او عدم دائم، وهي دائمة التقلب بين النقيضين، وامامنا الوقت الكافي لوضع الخطط الاستراتيجية ومناقشة قضايا الاقتصاد والتجارة، واتخاذ التدابير الهادفة لدفع عجلة التعاون الاقتصادية ورفع القدرة التنافسية مع القوى الجديدة لتنشيط العلاقات الاقتصادية معها، خاصة وان هذا التعاون هو غاية اساسية فى العلاقات الحديثة، من اجل البحث عن هوية إقليمية مشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتوحد في مواجهة التغلغل الامريكي فى شؤوننا. المؤسف ان الولايات المتحدة تناصر المخربين في كل البلدان العربية، في حين ان الدول العربية ليسوا فى حاجة الى وصاية احد. والمؤسف ايضا ان الولايات المتحدة تبحث عن الازمات من اجل التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وهي ايضا التي تختلق تلك الازمات، ثم تحاول ان تفرض علينا مفهومها كـ «شرطي المنطقة».. ولكن الحل لا يزال بايدينا، وان نضع الولايات المتحدة في حجمها الطبيعي مع التركيز كما سبق وذكرت على تنمية العلاقات مع القوى الاخرى الموجودة في العالم، وهم كثر والحمد لله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها