النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

العنف بوصفه ظاهرة

رابط مختصر
العدد 8129 الأربعاء 13 يوليو 2011 الموافق 12 شعبان 1432

حادثة الاعتداء بالضرب التي تعرضت لها أستاذة جامعية في إحدى الجامعات الخاصة لا يمكن أن نقرأها علمياً وسوسيولوجياً بوصفها حادثة فردية عابرة بقدر ما تحتاج منا بوصفنا مثقفين ندرك أو هكذا ينبغي أبعاد ودلالات ومؤشرات الحوادث ونذهب بها إلى سياقات دلالية حتى نلتقط ما تنبئ عنه لتداركه واحتوائه قبل استفحاله.. فهكذا هي الظواهر في سلبياتها الخطيرة قد تبدأ أول ما تبدأ بـ «فعل فردي» سرعان ما يأخذ صيغته وصبغته الجماعية إذا لم نتصدَ له بالتشخيص والعلاج العلني العام. وهكذا وجدنا في ذلك الاعتداء الوحشي غير المبرر ما يؤشر إلى بوادر ظاهرة تشكل ظاهرة سلبية خطيرة ومعيبة بحق مجتمعنا، فبالإضافة إلى كون الاعتداء بالركل والضرب قد جرى في حرم جامعي ووقع من طالب على أستاذة بكل ما في الحادثة من دلائل غير سوية ومخيفة فإن الحادث يأتي نتيجة وليس سبباً قائماً بذاته وهو كما نقرؤه نتيجة وإفراز لوضع عام معين أو لمحنة الدوار بوجهٍ خاص وصريح ومباشر وهي محنة مازلنا ندفع ثمن تداعياتها ونعيش آثارها ونقرأ حادثة الاعتداء والضرب والركل في سياق تداعياتها العنيفة. فالحركة السياسية الفوضوية التي أدارت لأسابيع خمسة أو ستة المشهد البحريني لم تكن حركة سلمية بأي مقياس من المقاييس بل كانت تستخدم العنف العنيف بدءاً من لغة خطاباتها وصولاً إلى مفردات شعاراتها وكلمات هتافاتها وتعبيرات بياناتها وتصريحات قادتها وزعمائها وكل من كانوا جزءاً من الدوار وتحريك مشاعر العامة هنا وهناك تحريكاً كان يجرهم جراً إلى الصدام والالتحام العنيف بما أشاع مناخاً مشحوناً هنا ومشحوناً هناك بمشاعر عنف قابل للاشتعال عند أول لحظة مواجهة. وهذا ما كنا نحذر منه على مدى أيام احتلال الدوار واحتلال مستشفى السلمانية واحتلال المرفأ المالي وما جرى في المساحات والساحات والشوارع التي كانت تربط بين هذه الأماكن والأماكن والمواقع الأخرى في البلاد ولعلنا لن ننسى ظاهرة التحدي القابل والذاهب بنفسه لمواجهات عنف يطلبها طلباً ويتمناها أمنية «لم تتحقق» عندما قرر أصحاب الدوار التظاهر أمام «دوار الساعة» ومحاولة الذهاب إلى ما بعده من منطقة ترمز إلى مقر الحكم وهي حالة بلغت فيها مؤشرات العنف ذلك اليوم البغيض مبلغاً كان ينذر بالخطر التمزيقي المدمر. ولعل خروج أو بالأدق إخراج الشاحنات الضخمة على مدى ثلاثة أيام وفي فترات الذروة ووضعها عمداً وبقصد مقصود في الشوارع المهمة الرابطة بين مواقع العمل ومواقع السكن لقطع الطريق على الموظفين والعمال وأصحاب الاعمال والطلاب كان بحد ذاته حركة عنف واضح كادت أن تفتح شلال عنف لولا حكمة الحكماء الذين عرفوا اللعبة واكتشفوا الفخ والمصيدة التي تطلبهم إلى ساحة المواجهة وساحة العنف بوصفه جزءاً من الأجندة. لكن العنف ظل شاخصاً في محيط المشهد الذي أخذ زمام إدارته أصحاب الدوار وهو عنف أخذ أشكالاً عدة وتجسد في كثير من يوميات أصحاب الدوار ومريديه على مدى أكثر من ستة أسابيع معطوفة على ما كانت ومازالت فضائيات الفتنة تغذيه وتغذي الفتية المغرر بهم من خطابات عنف ومفردات تصعيد صدامية لم تكن لنخلو من شتم وسب وقذف بل وبذاءات بحق شخصيات وطنية كثيرة، الأمر الذي أشاع ذهنية عنف وأشاع حالة استعداد داخلي لدى الافراد لممارسة العنف في محيطهم ودوائرهم الصغيرة والقريبة. ثقافة العنف مشكلة كبيرة ولكنها تغدو مشكلة عصية على الفهم وعلى العلاج عندما نسبغ على هذه الثقافة الشريرة صفات نبيلة كصفة الثورية وصفة الاصلاح وصفة المطلبية وصفة الشفافية وما إليها من صفات تسوغ وتسوق أخطر ثقافة «ثقافة العنف» في وجدان الجيل الجديد. ها هنا سنبرر للعنف المطلق أن يسود وأن تنتظم به علاقات الأفراد قبل الجماعات وسيأخذ العنف طابعاً في حياتنا الاسرية وحياتنا العملية وسيصبح جزءاً من حياتنا في الشارع بحيث سنلجأ للعنف لحسم أدنى خلاف وأبسط سوء تفاهم يدب بين اثنين منا ليصبح العنف عنوان العناوين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا