النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

من يخدع الجماهير.. ومن تخدعه الجماهير

رابط مختصر
العدد 8128 الثلاثاء 12 يوليو 2011 الموافق 11 شعبان 1432 هـ

ذات يوم سألتني إحدى الصحافيات عن رأيي في «تحقيق صحافي» قامت بنشره في الصحافة المحلية وأحدث ضجّة في البحرين بأسرها، وصار حديث الناس والمجالس ووصل النقاش فيه إلى قبّة البرلمان. فقلت لها: «بصراحة شديدة لم يعجبني التحقيق». فاستغربت استغراباً شديداً من رأيي وقالت لي: «كيف لموضوع أحدث هذه الضجّة أن لا يُعجبك»، فقلت لها: «لقد أحدثت أغنية نانسي عجرم (أخاصمك آه) ضجّة كبيرة في سوق الأغاني العربية وأصبحت على كلّ لسان، ولكنها لم تعجبني أيضاً!». فالجماهير لا تتبع بالضرورة الأفضل، وليس بعدد المحتشدين تُقاس الأهمية. فعدد الذين حضروا لمشاهدة بطلة مسلسل سنوات الضياع الممثلة التركية توبا (لميس) أثناء زيارتها للبحرين أكثر بأضعاف مضاعفة من الذين حضروا للحصول على صورة تذكارية مع الفنان دريد لحام حين زارنا في أحد المهرجانات الفنية، رغم فارق الأهمية التمثيلية والعطاء الفني بين الممثلين، ورغم أنّ الأخير أفنى عمره وحياته في تجسيد قضايا العرب السياسية والاجتماعية في سلسلة من الأعمال المهمة التي نحفظها عن ظهر قلب. وبعد أسابيع قليلة من الآن ستظهر إعلانات المسرحيات الخليجية التي تُعرض سنوياً في البحرين خلال عيد الفطر المبارك، والتي تحتوي على قدر لا يُستهان به من السخافات التي لا تمتّ للفنّ وللذوق السليم بأي صلة والتي يتمّ الإعداد لها خلال أيام معدودة، ويستعاض فيها عن الحوار الفني والحبكة المسرحية بحوارات الاستهزاء المرتجلة والتنابز المتبادل. ولكن وعلى الرغم من كلّ الركاكة الفنية في مجمل هذه الأعمال إلا أنّ الجماهير الغفيرة التي تتوافد لها وتتحمل تكاليف تذاكرها الباهظة هي أضعاف مضاعفة من أعداد الجماهير التي تحضر العروض المسرحية الجادّة ذات القيمة الفنية العالية. في بلداننا العربية، لا يخفى على المتابعين للساحة الفنية أنّ جمهور الفنان المصري تامر حسني لا يقارن بجمهور الفنانة اللبنانية الملتزمة جوليا بطرس، وعدد الذين يحضرون حفلات هيفاء وهبي أكبر بمرّات عديدة من عدد الذين يحضرون حفلات آمال ماهر. ولا أتصوّر أنّ جماهيرية شعبان عبد الرحيم الجارفة تقارن بحال من الأحوال بجماهيرية زياد رحباني. هذه الحالة ليست خاصة بالعرب. ففي الدول الغربية تحظى صالات عروض راقصات التعرّي مثلاً بحضور جماهيري أكبر بكثير من معارض الفنون التشكيلية، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أنّ فتاة التعرّي في أمستردام مثلاً أكثر أهمية من الفنانة التشكيلية. وقد تمتلئ صالات المصارعة الحرّة بالجماهير المغفّلة التي لا تعي أن ما يدور حولها من مواجهات ليست سوى مسرحيات غير متقنة التمثيل، وفي المقابل فإنّ الأمسيات الشعرية لا تحظى إلا بالعدد القليل من الحضور، وهذا لا يعني أيضاً أنّ المصارع في نيويورك مثلاً أكثر أهمية من الشاعر. وفي الصحف الغربية، لا يمرّ يوم دون أن تجد صورة كبيرة لنجمة تلفزيون الواقع كيم كارديشان تتصدّر صفحاتها. ولا يمكن أن يطرأ أي حدث مهما صغر حجمه لباريس هيلتون دون أن تُفرد المجلات الغربية لها الصفحات، رغم أنّ هاتين النجمتين لا يمتلكان أي موهبة فنية أو رصيد ثقافي. في حين أنّ أخبار المبتكرين والمخترعين في الدول الغربية لا تحظى بمثل هذه الأهمية. أقول ما قلته لكي أدلّل على أنّ أسلوب حشد الجماهير الذي تنتهجه بعض الأطراف في المشهد السياسي البحريني في هذا المعسكر أو ذاك ليس دليلاً وحيداً أوحد على تمثيل هذه الأطراف لأغلبية الشعب البحريني، وليس صكّاً مختوماً من هذه الجماهير على أفضليتها. فما كلّ ما نحشد له الجماهير يصبح فرض عين يجب على جميع الأطراف القبول به والانصياع له. ولا أدلّ على ذلك من قانون أحكام الأسرة التي خرجت النساء المظلومات المفتقرات إليه للهتاف ضدّه، وستخرج النساء متى ما شاءت هذه الأطراف أن تخرجها للهتاف ضدّه أو ضدّ أي قانون لا ترغب في إقراره. فما أسهل من حشد الجماهير ومن استعطافهم بالجمل الرنانة والخطابات الحماسية. هناك أشخاص يخدعون الجماهير، وهناك أشخاص تخدعهم الجماهير، وتُعميهم الحشود والهتافات عن رؤية الحقّ والالتزام به. وما دام المرء مصنّفاً على النخبة – سياسية كانت أو غيرها – فلا بدّ أن يلتزم بالحقّ ويمضي في اتجاه الصواب حتى لو خالف رغبة الجماهير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها