النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

ثقافــــــة الأبيــــض أو الأســود

رابط مختصر
العدد 8128 الثلاثاء 12 يوليو 2011 الموافق 11 شعبان 1432 هـ

صراع الأضداد أو صراع الألوان هو جزء مهم من صراع الحياة بكل ما تشتمل عليه من ثقافات وأفكار ومن عقائد وايديولوجيات لم نفهم منه كصراع سوى صراع اللونين «الأبيض والأسود» دون ان نفهم ولو لمرة واحدة ان للالوان تقاطعاً وان للالوان مصالحاً وان للالوان رؤىً وأفكارا يمكن ان تلتقي هنا، كما يمكن ان تفترق هناك وبالنتيجة فالثقافة بما هي ثقافة ليست ابيض او اسود وليست الحياة بما هي حياة بكل معانيها وتقلباتها لوناً واحداً. ثقافة الأبيض والاسود ثقافة حصار إن صحت التسمية تضعك في أضيق الزوايا الضاغطة بحيث لا تعطيك مساحة تتنفس من خلالها خارج إطارها وحدودها.. فإما ابيض أو أسود هي إما هنا او هنا ولا ثالث بينهما فكراً وعقلاً وثقافة.. حرية الخيار وحرية القرار في مثل هذه الثقافة مفقود تماماً وبالنتيجة فالحوار مع الآخر عقلاً وفكراً مفقود وحتى اسئلة ثقافة الابيض والاسود تسرق منك الجواب لتقدم سلفاً جوابها المعدّ والجاهز في علب الابيض والاسود. اسئلة ثقافة الابيض والاسود تحاصر القارئ بقصد وتبتز منه الاجابة ابتزازاً لا مهرب منه وهي اسئلة تشوه مفهوم السؤال بوصفه بوابة للمعرفة وقضاءً للاجتهاد والتفكر والتأمل، بما يزيد ويضاعف الحالة ارباكاً ولا يمكن قراءة الظواهر إلاّ بمعطيات جاهزة من الابيض او الاسود وهي قراءة غير علمية وغير معرفية. لن تجد قراءة مكتملة او حتى شبه مكتملة في موضوعيتها في صندوق الابيض والاسود الذي يضغط على مفاصل الفكرة والتفكير ومسام العقل، والتي حتماً ستغلق امكانيات قيام حوار موضوعي علمي ومعرفي مفتوح وفكري رصين يحلل ويفسّر ويقرأ الحالة عبر تفكيك معطياتها وعبر تفكير منطقي تحليلي استنتاجي يربط بين المقدمات والنتائج وما بين الاسباب والانعكاسات، وهي مسألة غايةً في الأهمية لدى المحللين الموضوعيين الذين يتوخون الدقة العلمية في قراءاتهم وتحليلاتهم وتفسيراتهم. ومشكلة ثقافة الابيض والاسود التي تستجدي وتطلب اجابات جاهزة معلبة او من نوع «روشته» مع او ضد انها ثقافة غير تاريخية وغير جدلية / ديالكتيكية بالمرة تعزل النتائج عن اسبابها فتظل على السطح دون ان تذهب بعيداً الى الاعماق وتبحث هناك في الجذور وتحفر حفراً في الاصول. أسئلة التغيير واسئلة التحولات واسئلة الفاصلة او اللحظة الديمقراطية في وطننا العربي وهي لحظة وليدة وجديدة تناولتها وتصدت لها ثقافة الابيض والاسود بالمواقف القاطعة والاجابات الجاهزة دون ان تتفهم ان الديمقراطية بما هي فلسفة، فإنها في ذات الوقت منهجية واقعية بمعنى حرصها على توازنات الواقع المجتمعي والعمل ضمن اللعبة الديمقراطية بمعزل عن حرب الاجتثاث والاستئصال التي مازالت تحكم عقول اصحاب وجماعات ثقافة الابيض والاسود المسكونين بالجملة الثورية لا بالجملة الديمقراطية الواقعية جداً والبعيدة عن العنف الثوري. الديمقراطية في واقعيتها أبعد ما تكون عن المثالية وثقافة الاسود والابيض مستغرقة في مثالية اللون الواحد «اما ابيض واما اسود» بما يفتح للقسوة والكراهية بديلاً للتسامح والتفاهم فلا يمكن أبداً في صندوق ثقافة الابيض والاسود ان تنمو ثقافة المحبة في الاختلاف ولا يمكن ان يبدأ حوار المختلفين. في زمن معولم بامتياز سقطت جدرانه وتقلصت مسافاته ومساحاته وتمازجت حدوده وتداخلت تظل ثقافة اللونين «الابيض والاسود» محصورة، وتحاصرنا في أضيق الحدود وفي أضيق الدوائر فيما العالم يسبح في فضاء بلا حدود.. والنتيجة اننا نراوح عربياً محلك سِرّ، فيما يقطع العالم كل المسافات في حوار بين جميع الالوان والتلاوين فتنتج افكاراً وتنتج معرفة وتنتج علماً وتذهب لاكتشافات معرفية غير مسبوقة فهل فعلت ذلك ثقافة اللونين ثقافة الابيض والاسود؟؟ لذلك فإن هذه الثقافة دخلت الى الديمقراطية وهي تعتقد ان الديمقراطية رديف للثورة في اجتثاثها وفي لونها الواحد وفي تصور مثالي اعتبر الديمقراطية هي المفتاح السحري، ولذلك قرأنا وسمعنا ورددنا تلك الاسطورة دون ان ننزل بها الى ارض الواقع بواقعية الديمقراطية بوصفها فلسفة واقعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا