النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

عندما تندفع عجلة التاريخ نحو الهاويــة (28)

رابط مختصر
العدد 8112 الأحد 26 يونيو 2011 الموافق 24 رجب 1432 هـ

نسلط الضوء على فئة اجتماعية مهمة هي فئة رجال الدين في الأحداث الأخيرة، وانتقالهم من منابر الدعوة الى اللعبة السياسية، ومن فكرة التسامح والحوار الى لغة العنف والقوة، فكل ما قيل في الدوار برهن على الاتجاه الداخلي لتلك المجموعة الدينية المتشددة، التي لا تجد نفسها بعيدة عن الاقتتال والعنف فيما لو أتيح لها فرصة حمل السلاح. في التاريخ المعاصر هناك شخصيات دينية ورجال دين دخلوا الى بوابة وفضاء السياسة من مجالات عدة كأشخاص، ولكنهم لم يكونوا ظاهرة للتدين السياسي أو حاولوا تسييس الدين، وإنما انخرطوا بفعل كونهم أفرادا يرون في الواقع السياسي والاجتماعي مكانا ومجالا يدافعون فيه عن حقوق مدنية وسياسية لطوائفهم وشعوبهم، وهناك من الأمثلة كثيرة على سبيل المثال وليس الحصر، إذ ناضل الأسقف مكاريوس ضد الاستعمار البريطاني وظل حتى بعد الاستقلال شخصية سياسية بملابس دينية، ولكنه بقى في مواقفه متفهما الفصل والفرق ما بين دور الكنيسة والسياسة، وعدم صهر أو مزج المجتمع الروحي بالمجتمع السياسي والمدني حتى آخر حياته، مثلما أيضا دافع الأسقف ديزموند توتو في جنوب أفريقيا بشعارات واضحة في نضاله السلمي ضد التمييز العنصري، فيما راح القس مارتن لوثر كينغ يواصل مشروع ذلك النضال في التربة الأمريكية من اجل حياة أفضل للأمريكيين السود، جميعهم أبقوا على مسافة ما بين الموضوع الديني والسياسي، ولم يدفعوا «بتنصير» السياسة بفكرهم الديني، حيث ظلت الكنيسة والدين مسألة روحية وأخلاقية وعقيدية، ليس لها دخل لا بصياغة الدستور ولا بحياة الناس السياسية والمجتمعية والمدنية. ولم يكن العالم العربي والإسلامي يخلو من شخصيات دينية ساهمت في حركات التحرر الوطني (من أمثال عمر المختار وعبدالقادر الجزائري وعبدالكريم الخطابي والحسيني وكثيرين غيرهم)، ألا أنها في تلك العقود، كانت مجرد عنصر فاعل ضمن مشروع وطني وتحرري واسع، غير أن المشروع اللاحق باسلمة الحكم نبع في البداية مع فكر الإخوان كمسألة الحاكمية لله، ولكنه لم يجد له فرصة سانحة لكي يمارسها كقوة تسلطية تقف على هرم الدولة وتصوغ مشروعها كما حلمت وتريد، ولكنها لم تخف مشروعها وهي خارج السلطة حتى يومنا هذا، في شعارها المخلد «الإسلام هو الحل». إذ لم تتح فرصة لهذا المشروع الديني في أمكنة ما، ومرت عابرة في كابوس حكومة طالبان والتنظيمات الدينية المتشددة، التي وجدت فرصتها لاختطاف المجتمع المدني والدولة بالكامل، مثلما هي هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي شكّلت واجهة مثيرة للقلق السياسي لمدة طويلة في المنطقة. وفي عام 1979 ستصعد «العمائم الحزبية» الى سدة السلطة وتنجح في اختطاف الثورة نحو «مشروعها الإلهي» لتصبح إيران المعاصرة جمهورية إسلامية يحكمها نظام ولاية الفقيه، هذه السلطة الروحية المطلقة ستصبح قوة سياسية وبوليسية داخلية، معجونة باطماع وأحلام إقليمية ومذهبية، رافعة شعارات أوسع بدعوتها نحو الإسلام المناهض في كل مكان للاستكبار العالمي. فماذا حدث طوال هذه العقود في المنطقة لرجال الدين وتسيّدهم في السياسة وتمكنهم من الهيمنة على مؤسسات كاملة خارج الدولة أو داخلها؟ ففي النموذج الإيراني سنجد في المسيرات والمناسبات الرسمية مواكب رجال دين بعمائمهم وهم متمنطقون بالرشاشات كعنوان لاستعدادهم للقتال مهما كان الثمن من اجل الدفاع عن مشروعهم التاريخي السياسي، وسنجد هذه المشاهد والرشاشات المعلقة في لبنان واحتفالات حزب الله، مما يثير استغراب المراقبين الأجانب في شتى أنحاء العالم. كيف هو منظر رجل دين معمم يضع على كتفه السلاح؟ ثم يدعّي انه من دعاة التسامح والسلم!! فينفجر ضاحكا كل من لا يفهم هذه المعادلة الجديدة بين رجل الدين المعمم وعلاقته بالرشاش!! وفي مرحلة جديدة ستدخل الساحة العراقية نفس الصورة والمشهد، فهل لو كانت البحرين تسمح بحيازة السلاح لكل فرد، لن يتحفونا أصحاب «العمائم الحزبية» في دوار اللؤلؤة بمشهد من النموذج الإيراني، بل وستظهر الأظافر والأنياب عندما يتهاوى النظام بكامله (لين طاح الجمل كثرت سكاكينه) ويصعد على مسرح التاريخ النموذج الإيراني مرة أخرى؟ ولكن هذه المرة في المنامة!! وبما أن دورة التصعيد لم تنجح لدعاة الجمهورية، فإننا بالتأكيد لم نذق مرارة كارثة التسونامي السياسية المدمرة، ولا نحتاج للدخول في تجربة قاسية كما دخلها شعب الكويت اثر غزو العراق، فهناك ما تزال أخطار محدقة بالإمكان أن تأتي من أي قوس أو وتر في المحيط الجغرافي، فالعراق مشروع مساند بهذا القدر أو ذاك في حالة ولادة الجمهورية المزعومة، ولن يكون حزب الله ولا تلك التنظيمات الدينية التي تشكلت على أسس طائفية ستكون بعيدة أو بريئة عن نهش الحمل الوديع (البحرين الصغيرة والمغرية) لتهديد الكبار ورغبتهم في ابتلاعه والتهامه لقد حملت لنا البيانات الصارخة والغريبة والتحركات المشبوهة والمهيجة والمؤججة، براهين شتى وواضحة لتورط بعضهم في مشروع جهنمي. نشارك رجل الدين محسن آل عصفور اتهامه العمائم الحزبية بأنها كانت وراء الهيجان والتهييج حسب قوله: «فقد قاموا بترتيب وفود من حشود العمائم الحزبية البحرينية مدعومة من العمائم الأخرى من دول الجوار الى مكاتب المرجعيات الدينية والتقدم لها بضرورة إصدار بيانات شجب واستنكار وإدانة بأقسى الألفاظ واشد العبارات لتهييج الشارع الداخلي للدخول في جهاد مقدس مع النظام الحاكم» ووفق قول الشيخ العصفور، بأن مواقع الانترنيت امتلأت بصور وتسجيلات الكثير من المعممين السذج والموبو‍ئين وهم يزورون الدوار ويمنحون صكوك الغفران لمن فيه من الشباب المراهق، ويباركون كل ما يقومون به من احتلال للدوار، وزاد الأمر سوءا - والكلام للعصفور - التصريحات التي صدرت من ما يسمى بكبار العلماء والمجلس العلمائي التي استثمرت للتمويه والإغراء بمثل تلك المرجعيات في إيران والعراق لتأجيج الأحداث وسوقها الى المزيد من التأزيم والاحتقان بلا موجب وداع (جريدة الأيام, 8 ابريل 2011 , العدد 8033). إن كل كلمة أطلقها رجال دين وتغذت من روح النميمة والكذب والتهويل والتزييف والتزوير والتصعيد، خاصة «العمائم الحزبية» لتبدو لنا أن التعامل معها بشكل أكثر جدية من أولئك الذين دفعتهم الحماسة دون وعي بما يفعلون فجريرتهم صغيرة، ومن يقذف بكلمة وتخرج من لسانه وهو رجل دين، لأدرى وأعلم كم هي الكلمات، كما يقول شكسبير، أمضى من الخناجر، ومسؤوليتها الأخلاقية والدينية والسياسية لكبيرة. من فضلوا الدخول في اللعبة السياسية ونيرانها خارج دائرة المنبر الدعوي، عليهم القبول بفداحة الاحتراق، الذي كان بالإمكان أن يحرق البحرين، بأكثر مما فعل نيرون بروما، حيث الحريق الأكبر كان بالإمكان أن يكون لو انتصرت «جمهورية الدوار» ونشرت نهجها في المحاكمات والمساءلة السياسية على نهج الجمهورية الأم. لقد دخل الجميع من رجال الدين وفي الضفتين، اللعبة السياسية وصراعها، كما دخلوها في الانتخابات، وبواجهات مؤسساتية وجماهيرية متعددة. ومع ذلك التجاذب كانت هناك أصوات من رجال دين رسميين وغير رسميين عبروا عن رفضهم واستنكارهم، بل واندهشوا كيف تزج الطائفة في مشروع سياسي من هذا المستوى، مؤكدين ان الاعتدال والحوار والتعايش والوحدة الوطنية في ظل الشرعية والمشروع الإصلاحي هي الطريق الأفضل والأنسب للبحرين بكل مكوناتها ونسيجها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها