النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12223 الأحد 25 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

هل تتأزم العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بسبب الاتفاق النووي؟

رابط مختصر
العدد 12221 الجمعة 23 سبتمبر 2022 الموافق 27 صفر 1444

 يُخطئ من يظن أن العلاقات الاسرائيلية ـ الأمريكية يمكن أن تكون ضحية لأي تفاهمات جديدة بين واشنطن وطهران لإحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015، فالمسألة ليست بالسطحية التي يتخيلها بعض المراقبين والمحللين، والتحالف الاستراتيجي الاسرائيلي ـ الأمريكي لا يتعرض لاختبار قوة كما يُعتقد، والمسألة برمتها تدور في حلقة التنسيق المتبادل للوصول الى أفضل البدائل التي تضمن مصالح الحليفين.
يائير لابيد رئيس الوزراء الاسرائيلي قال مؤخرًا إن اسرائيل تتمتع بحرية كاملة في منع أي تهديد نووي، وأنه لا قيود أمريكية على قرار اسرائيل في حال قررت منع تهديد نووي محدق، وما أعتقده أن الرجل لم يقل سوى الحقيقة بحذافيرها، فلا اسرائيل يمكن أن توافق على قبول قيود تضعها الادارة الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بأمنها القومي، ولا ادارة الرئيس بايدن يمكن أن تغامر بمقايضة توقيع تفاهمات نووية مع إيران مقابل التخلي بأي درجة من الدرجات عن التزامها الثابت بأمن اسرائيل.
هناك حقائق عدة تستحق تسليط الضوء عليها عند مناقشة هذه المسألة، أولها ضرورة التسليم بوجود مستوى عالٍ من التنسيق والتعاون المؤسسي بين اسرائيل والولايات المتحدة، والأمر هنا لا يتعلق بادارات ديمقراطية أو جمهورية، أو هوية من يتولى الحكم في اسرائيل، بل هو تنسيق بين دولتين يمضي بوتيرة ثابتة قد يتقدم أو يتباطأ نسبيًا بحكم تأثير كيمياء العلاقات الشخصية بين القادة، ولكن تبقى خطوط ثابتة لا يتجاوزها نزولًا مهما كانت الظروف والأسباب.
ثاني هذه النقاط إن المسألة لا تتعلق فقط بتحالف استراتيجي راسخ ولكن بمصالح مشتركة للحليفين، وهو أمر يمكن استنتاجه بسهولة من واقع البيئة الأمنية المعقدة في الشرق الأوسط، حيث تؤكد المعطيات جميعها انه لا غنى لاسرائيل عن الدعم الاستراتيجي الأمريكي، ولا يمكن للولايات المتحدة الاحتفاظ بنفوذها في هذه المنطقة من دون دعم وتعاون اسرائيلي، أما على صعيد التعاطي مع إيران تحديدًا، يمكن القول بأنه يصعب على اسرائيل توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية ما لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي صريح، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالشق العملياتي للهجوم بل يرتبط بتوابعه وتداعياته العسكرية والسياسية والاستراتيجية، مع الأخذ بالاعتبار قدرة إيران على تحريك ميلشيات مناطقية واسعة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يستدعي ضرورة توافر حائط صد أمريكي قوي على المستوى العسكري وبالدرجة ذاتها على الصعيد السياسي والأمني، لا سيما في ظل شبكة التحالفات والمصالح المتنامية التي تربط طهران بدول مثل روسيا وغيرها، ما يمكن أن يضع اسرائيل في بيئة أمنية مضطربة للغاية في حال نفذت أي هجوم عسكري ضد إيران من دون التنسيق مع الجانب الأمريكي.
من زاوية أخرى، نجد أن من مصلحة واشنطن المؤكدة التنسيق مع اسرائيل في حال قررت الأخيرة توجيه ضربة عسكرية لإيران، سواء لضمان السيطرة على الأمور وعدم خروجها عن نطاق السيطرة، أو التأكد من عدم وقوع الحليف الاسرائيلي في أزمة كبرى بكل ما يعنيه ذلك سواء على شعبية الساسة الأمريكيين أو على مصالح الولايات المتحدة الشرق أوسطية والدولية.
المؤكد في كل هذا النقاش أن القاعدة هي أن مصالح الحليفين الاسرائيلي والأمريكي تتقاطع بشكل مؤكد، لا سيما فيما يتعلق بقوة الردع الاسرائيلية وصدقيتها، والتي تزداد بفعل تأثير العامل الأمريكي، بمعنى أن يقين الخصم (إيران) من وجود دعم أمريكي معلن أو غير معلن لأي هجوم اسرائيلي محتمل يؤثر في حسابات الرد، ويعزز قوة وفاعلية التهديد الاسرائيلي سواء تم تنفيذه أم ظل في دائرة الحرب الكلامية.
ثمة نقطة اخرى في غاية الأهمية، وتتعلق بالادراك الأمريكي لأهمية الضغوط الاسرائيلية في جهود منع إيران من الحصول على قدرات نووية عسكرية، حيث تدرك واشنطن أن هذه الضغوط تمثل رقمًا مهمًا في حسابات الإيرانيين، على الأقل في ظل تراجع مخاوف طهران من التعرض لضربة عسكرية أمريكية تحت وطأة البيئة الأمنية الدولية المعقدة بسبب حرب أوكرانيا، حيث يبقى للضغوط الاسرائيلية القوية في هذه الآونة أهميتها القصوى في حسابات الاستراتيجيين الأمريكيين، لا سيما أن اسرائيل باتت تمتلك حرية الوصول الى المجال الجوي الإيراني عبر الخليج العربي، والتي كانت تمثل أحد القيود العملياتية المهمة على حسابات تنفيذ ضربة جوية اسرائيلية فاعلة ضد المنشآت النووية الإيرانية.
هناك أيضًا مسألة تتعلق بالصراع السياسي الاسرائيلي الداخلي، حيث يخضع التهديد النووي الإيراني لهذا الصراع والمنافسات السياسية بين الأحزاب والقادة الاسرائيلية، وحيث تسعى كل حكومة الى تفادي حدوث أي تطور في هذا الملف قد يتم استغلاله سياسيًا ضدها، ونتذكر كيف تعاطي نتنياهو مع انسحاب ترامب من الاتفاق النووي كانتصار سياسي له، ونرى أن يحاول لابيد درء هذا التوقيع كي لا يتم، وذلك قبل أسابيع من الانتخابات خشية توظيفه ضده بدعوى عدم القدرة على الضغط على البيت الأبيض كما فعل سلفه.
وبالتالي فإن جميع هذه المتغيرات تؤخذ بالحسبان لا سيما في ظل التأثير الاسرائيلي القوي على الداخل الأمريكي، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. والأمر الآخر أن هناك مصلحة اسرائيلية مؤكدة في الابقاء على الرفض القاطع لأي عودة محتملة للاتفاق النووي الإيراني بصيغته الحالية، لأن أي موافقة أو حتى صمت اسرائيلي تعني ببساطة فقدان حجية القدرة على الردع ومنع التهديد النووي الإيراني أو شن هجمة محتملة، وبالتالي فان اثبات الموقف هنا مصلحة استراتيجية مؤكدة للجانب الاسرائيلي، حفاظًا على حق الدفاع عن النفس ضد أي تهديد نووي إيراني محتمل، والابقاء على حرية القرار الاسرائيلي في هذا الملف بيد اسرائيل وليس غيرها حتى لو كان الحليف الأمريكي.
صحيح أن هناك تباينًا في وجهات النظر الأمريكية الاسرائيلية وادراك كلا الطرفين لحدود التهديد الإيراني، الذي تراه اسرائيل ودول عربية مجاورة لها، خطرًا وجوديًا على مصالحها وأمنها واستقرارها، بعكس الرؤية الأمريكية التي تنحصر في مسألة القدرات النووية، وهي رؤية تختزل الخطر في جزئية قد تكون أقل خطرًا من جزئيات أخرى مثل التمدد والتوسع الإيراني ونشر الميلشيات اقليميًا بما يهدد اسرائيل وغيرها.
صحيح أن مستقبل العامين الأخيرين من ولاية الرئيس بايدن بات مرهونًا الى حد ما بنهاية سيناريو التفاوض مع إيران، ما يضعه تحت ضغط كبير ربما يضحى معه بالتوافق مع اسرائيل حول هذا الموضوع، ولكن يبقى هناك خط أحمر لا يمكن للولايات المتحدة تجاوزه وهو الاضرار بأمن اسرائيل وشعبها، ويبقى كذلك كل ماسبق من فرضيات، رهن سيناريو نهاية المفاوضات الماراثونية مع إيران سواء بتأجيل التوقيع او التوقيع أو اعلان الفشل النهائي.

 

- عن إيلاف

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها