النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

سلمان رشدي وبولتون.. الفتوى والاغتيال

رابط مختصر
العدد 12186 الجمعة 19 أغسطس 2022 الموافق 21 محرم 1444

اغتيال وقتل وتخطيط في أيام معدودة: سلمان رشدي يتعرض للطعن في نيويورك، وإرهابي انتحاري يفجر حزامًا ناسفًا ويقتل نفسه ويصيب غيره من رجال الأمن والمدنيين في السعودية، وخطة محكمة لاغتيال جون بولتون في واشنطن، 3 حوادث معبرة، تقول بوضوح إننا لم ننتهِ من «الأصولية» و«الإرهاب» بعد.

بعض المستعجلين بدوا متفاجئين من هذه الأحداث؛ لأنهم أقنعوا أنفسهم -دون مبرر- بأن «الإرهاب» قد انتهى، وأن «الأصولية» أصبحت من الماضي. وعلى الرغم من سطحية وسذاجة ولا علمية مثل هذا الطرح، فإن البعض ما زال يبشر به منذ سنوات، ويقدح فيمن يؤكد أن المعركة طويلة، وأن ثمة الكثير مما لم يُنجز فيها بعد، حاضرًا ومستقبلاً.

الاغتيال عملٌ دنيءٌ، فهو ليس قتالاً معلنًا ولا مواجهة عادلة؛ بل يتسلل منفِّذ الاغتيال كالجبناء بين صفوف الناس، حتى يتمكن من تنفيذ جريمته، مع تأكيد أن الاغتيال ليس جريمة حديثة، بل هو موجود على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، لدى كثير من الأمم والشعوب، وإن اختلفت مبرراته ودوافعه. وفي العصر الحديث يكاد يكون حصرًا على «الإسلام»، ما يوجب على المسلمين قبل غيرهم مواجهته مواجهة عميقة وشاملة.

بعد الحرب العالمية الباردة، أصبحت عمليات الاغتيال أقل حضورًا وتأثيرًا، ولم تعد الدول تعتمدها منهجًا سياسيًا وطريقة استراتيجية لإدارة الصراعات، ما عدا نظام واحد فقط في العالم كله، هو النظام الإيراني، وهذه حقيقة واقعية لا يجادل فيها أحد.

«القتل» الفردي والجماعي نهجٌ ثابتٌ للسياسة الإيرانية، لا تتبرأ منه، بل تعتقد أنه مبرّرٌ دينيًّا وطائفيًا وسياسيًا، ولذلك خلقت «الميليشيات» الشيعية ودعمت «التنظيمات» و«الجماعات» السنية التي تحترف الإرهاب، والتفجير والتدمير والقتل، ومن ذلك دعم «الاغتيالات» في العراق وسوريا وفي لبنان واليمن، وعملياتها طالت العديد من دول العالم. بسبب من «التدليل» الأمريكي للنظام الإيراني، فإنه يبدو وحيدًا في العمل بارتياح للتخطيط والتنفيذ لعمليات الاغتيال داخل أمريكا، سواء لمواطنين ومسؤولين أمريكيين، أم لمقيمين داخلها، من دون خوف من عواقب تلك السياسة، ما دام يجد من يدافع عنه في أروقة القرار الأمريكي، بناء على رؤى سياسية وآيديولوجية يسارية ليبرالية، ثبت فشلها في أكثر من مكان حول العالم.

الحوادث متعددة في القبض على خلايا إيرانية تسعى لاختطاف أو تصفية معارضين إيرانيين داخل أمريكا، رجالاً ونساءً، من آخرها قبل عام، في يوليو 2021، محاولة اختطاف الصحافية الإيرانية مسيح علي نجاد، في نيويورك، ومن قبل قام النظام الإيراني باغتيال علي أكبر طبطبائي مطلع الثمانينات في واشنطن، وحاول اغتيال منصور فرهانج في أمريكا، واغتيال جمشيد شارمهد في كاليفورنيا. ومن أشهر تلك المحاولات لغير الإيرانيين كانت المحاولة الفاشلة لاغتيال السفير السعودي -حينذاك- عادل الجبير، 2011، في واشنطن.

هذه مجرد نماذج داخل أمريكا وحدها، لتأكيد النهج الثابت للنظام الإيراني في تخطيط وتنفيذ الاغتيالات، والتي قامت بها في كثير من دول العالم، في أوروبا وغيرها. وقد نشرت الخارجية الأمريكية تقريرًا بعنوان «أعمال الإرهاب والاغتيالات الإيرانية في الخارج»، كما نقل موقع «العين الإخبارية»، وذكر هذا التقرير أنه «بعد ثورة عام 1979، نفذت إيران 360 عملية اغتيال في 40 دولة حول العالم». وقد أصدرت الخارجية السعودية قبل سنوات بيانًا مفصلاً يحتوي على قائمة طويلة من أعمال العنف المخطط لها والمنفذة إيرانيًا.

ولتبنّي النظام الإيراني هذا النهج، فقد دخلت معه إسرائيل على الخط نفسه، وردت الصاع صاعين في عمليات اغتيال لقيادات إيرانية داخل إيران. ولا يحق لمن أشاعوا ومارسوا الاغتيالات أن يستنكروها حين تقع عليهم، إيران وتنظيم «القاعدة» نموذجًا.

عربياً، انداحت الأحزاب والتيارات القومية خلف الاغتيالات وطبقتها، كنظام «البعث» في العراق وسوريا، واستخدموا الفصائل الفلسطينية في ذلك، والتي أدمنت بعضها على الاغتيالات، فصاروا يستخدمونها بعضهم ضد بعض، ويُصفُّون رفاقهم والمختلفين معهم، من سياسيين ومثقفين ومدنيين، في عمليات مشهورة وأسماء معروفة.

الإسلامويون بدأوا ذلك مبكرًا، في استخدام الاغتيالات سياسيًا مع حسن البنا والنظام الخاص، واغتيال رئيس الوزراء النقراشي والقاضي الخازندار، والتصفيات الداخلية، وتوقفوا بعد الضربات الأمنية القاسية، ثم عاودوا نشاطهم من تنظيم سيد قطب منتصف الستينات. ثم بعد هزيمة 1967 تفشت جماعات وتنظيمات العنف الديني من رحم جماعة «الإخوان المسلمين»، وصولاً إلى تنظيمي: «القاعدة»، و«داعش».

في كل عملية اغتيال من هذا النوع ثمة «فتوى» يعقبها «تنفيذ»، وتجريم التنفيذ وتجاهل «الفتوى» عبثٌ لم يقضِ على الإرهاب ولم يحد من خطره، والأمثلة كثيرة ومتعددة. فمحاولة اغتيال سلمان رشدي كانت بفتوى من الخميني. ومن قبل ومن بعد سار الأمر على النهج نفسه، فاغتيال فرج فودة سبقه «فتوى» للإخواني محمد الغزالي، و«جبهة علماء الأزهر» الإخوانية، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ سبقتها «فتوى» لعمر عبد الرحمن، وهكذا تستمر السلسلة في عديد من الدول العربية والإسلامية وفي العالم أجمع. مفتون متطرفون إرهابيون يصدرون «فتاوى» التكفير، ويتركون الأمر مفتوحًا للتنفيذ، وبعض هذه الفتاوى يتم تنفيذها بعد مرور 30 عامًا من الزمن، مثل محاولة اغتيال سلمان رشدي.

محاولة اغتيال جون بولتون في واشنطن كانت ضمن مخطط إيراني لاغتيال آخرين، من بينهم ومبيو وإسبر وزيرا الخارجية والدفاع السابقان، وتفجير الإرهابي لنفسه في السعودية سبقته سلسلة من الفتاوى والخطاب التكفيري والأصولي المتطرف، مع فارق بالغ الأهمية، وهو أن السعودية جرّمت «الأصولية» و«الإرهاب» قانونيًّا وتشريعيًا، وهي تحاكم العديد من رموزه وقياداته، بينما الأمر ليس كذلك في أمريكا.

قوائم الاغتيالات التي نفذتها إيران بوساطة أذرعها في الدول العربية التي تستحوذ على قرارها طويلة لا تنتهي: في لبنان قتلت عشرات من السياسيين والمثقفين، من رفيق الحريري إلى لقمان سليم، وفي العراق يستمر النهج ذاته والسياسة عينها، وعشرات السياسيين والمثقفين قُتلوا أو تمت محاولات لاغتيالهم، وللأسف فالقائمة طويلة لا يمكن استعراضها في عجالة، وقُل مثل هذا في سوريا وفي اليمن.

أخيرًا، قال بولتون في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «لست أنا وحدي، النظام في طهران استهدف الكثير من الأميركيين»، وأضاف: «يمكنك تسمية هذه المؤامرة عملاً من أعمال الحرب، وهي تخبرك بكل ما تريد أن تعرفه عن الحكومة في طهران».

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها