النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

في ذكرى جهنم النووي على اليابان

رابط مختصر
العدد 12185 الخميس 18 أغسطس 2022 الموافق 20 محرم 1444

كل عام يحيي الشعب الياباني ذكرى المجزرة النووية التي قامت بها أمريكا، بقرار من إنسان اسمه هاري ترومان ووظيفته رئيس دولة اسمها الولايات المتحدة الامريكية، وهذه الدولة تدعي أنها حامية الحريات والحقوق لجميع شعوب العالم!!! وفي هذه المناسبة، التي يتجدد فيها الآلام ويستجد منها الآمال، يلقي أمين عام الأمم المتحدة كلمة يعبِّر فيها عن مشاركة وتعاطف جميع شعوب العالم مع الشعب الياباني في المصاب الجلل الذي يستحيل نسيانه مهما طال الزمن، وهو مصاب لم يسبق له مثيل ونأمل أن لا يحدث مرة ثانية، ويعد درسًا لم تتعلمه النخب السياسية بعد. أمين عام الأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش ألقى كلمة الذكرى هذا العام، وليته لم ينطق بها، إذ افتتح خطابه بجملة «بكل فخر، وقفتُ يوم السبت إلى جانب رئيس وزراء اليابان...»، الى آخر الخطاب، وسنأتي على بعض ملاحظات عن الخطاب بعد أن نستعيد من الذاكرة تلك اللحظة الجهنمية، وهذه اللحظة الجهنمية حاضرة حية بكل لهيبها ومحرقتها البشرية في ذهن ونفسية الشعب الياباني، ولم تتحول بعد من حاضر الذهن الى ذاكرة الذهن.

هيروشيما وناغازاكي مدينتان في اليابان نزل عليهما حمم من جهنم النووي في أغسطس عام 1945.. المدينتان سويتا بالأرض، كأن العمران والأشياء فيهما لم تكن، وجميع السكان من البشر والحيوان والنبات تبخرت كأن لم يكن لهم وجود. هذه الحمم النووية لم تنزل من غياهب المجهول، بل إن صاحب القرار إنسان معروف، ومنفذ القرار إنسان معروف (وهو ضحية الأوامر)، والضحايا معروفون وهم أناس أبرياء.

بول تبيتس ‏طيَّار في رتبة كولونيل في سلاح الجو الأمريكي أوكل اليه أن يلقي القنبلة الذرية على هيروشيما من طائرة كان يسميها اينولا جاي على اسم والدته وقد توفي عام 2007 عن عمر 92 عامًا. زار مدينة هيروشيما بعد 3 أسابيع من إزالته لها من الوجود، ليرى بأم عينه نتيجة فعلته، وقد قال قبل وفاته إنه لا يمانع من إلقاء القنبلة مرة أخرى لأنه ينفذ أوامر القادة… نعم لا يمانع وهو على استعداد تام أن يلقي قنبلة ثانية وثالثة ورابعة حسب الأوامر رغم أنه رأى نتيجة فعلته، وهذا يكشف عن أن أول بند في العقيدة العسكرية الامريكية هو قتل الضمير في نفسية الإنسان.

لكل حَدَثٍ مُحْدِثٌ، ولكل جريمة مجرم، مثلما على النقيض لكل حسنة محسن، ولكل كرم كريم، وهكذا ثنائي الربط بين الفعل والفاعل، والفعل ترجمة لنية الفاعل على أرض الواقع، ومن أراد أن يُذَكِّرَ بفعل عليه أن يكمل الذكرى بتسمية الفاعل، وإلاّ فإن رسالة الذكرى تكون ناقصة... وإحياء ذكرى الجرائم ضد الإنسانية هو بمثابة عرض للجريمة أمام القضاء العالمي، والأمين العام للأمم المتحدة هو بمكانة القاضي، المعين من الأمم، للنظر في قضايا الأمم والجرائم ضد الإنسانية. 

السيد أنطونيو غوتيريش أمين عام الامم المتحدة وقاضي قضاة الشعوب يفتتح خطابه، في ذكرى هيروشيما، بأنه بكل فخر! يقف الى جانب رئيس وزراء اليابان في احتفالية! إحياء لذكرى كارثة! منقطعة النظير... في هذه المناسبة لإحياء ذكرى أبشع جريمة في التاريخ ليس لكلمة «فخر» موضع من الأعراب في قواعد «الجريمة ضد الإنسانية»، وليس لكلمة «احتفالية» موضع في قاموس الأخلاق، لأن الذكرى إحياء لمأتم، ومما يضيف الطين بلة أنه ذكر الجريمة وآثار الجريمة ونتائجها وتبعاتها الباقية، والتي ستدوم دهرًا من الزمن، إلاّ أنه لم يأتِ على ذكر المجرم ولو بالإشارة... كأن الجريمة التي وصفها بالكارثة قد نزلت من ظهر غيب، وهي في منطق الخطاب كارثة وليست جريمة... من الملاحظ أنه انتقى كلمات الخطاب بدقة لتفادي وصف الجهنم النووي بالجريمة وعدم ذكر الفاعل وإن الذي حصل ليس سوى كارثة علينا تجنبها، وإنه ليست هناك قضية أمام قاضي الشعوب.

القاضي عندما ترفع اليه قضية جريمة، والقضية كاملة الأركان من حيث فعل الجريمة وفاعل الجريمة والضحية (مفعول به)، ويبادر القاضي من ذاته بشطب اسم الفاعل وتسمية الجريمة بكارثة، مما يعني إغلاق ملف القضية دون إصدار حكم ضد الفاعل لأنه ليست هناك جريمة، فإن مبادرة القاضي تعتبر هي فعلة تساند فاعل الجريمة، أي أن القاضي أصبح شريكًا في الجريمة.. خطاب أمين عام الأمم المتحدة لا يتحسس موضع الألم والمعاناة في الهدف من إحياء ذكرى هيروشيما، وكلمة «هيروشيما» أضحت تعني «جهنم أمريكا النووي».

هل يرضى الأمين العام للأمم المتحدة على نفسه هذا الدور المشين، حيث إن خطابه أشبه الى تبرير الجريمة النووية وليس أدانتها؟ إذا كان صياغة الخطاب من ذات الأمين العام فتلك كارثة، وإذا كانت بايعاز خارجي او نصًا مدفوعًا اليه فتلك جريمة.. والرسائل تُشَخَّصُ من خلال كلماتها المختارة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها