النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

تخضير الكوكب

رابط مختصر
العدد 12184 الأربعاء 17 أغسطس 2022 الموافق 19 محرم 1444

أمطار صيفية غزيرة وسيول جارفة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل الإمارات العربية المتحدة، مقابل موجات حرارة وجفاف غير مسبوقة في أوروبا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة، وهي أمور يقول الخبراء إنها لا تحدث صدفة، وإنما نتيجة تراكمات كبيرة ناتجة عن تصرفاتنا نحن كبشر المسيئة بحق البيئة والمناخ، وعلينا الاستعداد لما هو أسوأ مع الأسف في حال لم يتحمل كل منا مسؤوليته تجاه «تخضير الكوكب» بدل مواصلة الإساءة إليه بيئيا.

والتحدي الأكبر أمامنا هو أن منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى -بما فيها دول الخليج العربي- على الخطوط الأمامية لتداعيات أزمة المناخ البشرية والمادية والاقتصادية، وذلك بحسب تقريري لصندوق النقد الدولي صدر في مارس الماضي، مشيرا إلى الطبيعة المحفوفة بالمخاطر بالفعل للمناطق المناخية القاسية في بلادنا، حيث يؤدي الاحترار العالمي إلى تفاقم التصحر والإجهاد المائي وارتفاع مستويات سطح البحر.

هذا التكهن ليس جيدا، حيث تستتبع الاتجاهات المناخية في المنطقة اضطرابات اقتصادية، وتعرض الأمن الغذائي للخطر، وتقوض الصحة العامة، أو على الأقل الضغط على جهود التنمية والحد من مستويات الرفاهية، وبحسب صندوق النقد الدولي نفسه فإنه «رغم أن حكومات المنطقة وما يقرب من ثلثي سكانها ينظرون إلى تغير المناخ باعتباره حالة طوارئ عالمية، فإن الإجراءات الحاسمة والواسعة النطاق لم تتبع بعد».

يقدر البنك الدولي أنه بحلول عام 2050 ستكلف ندرة المياه المرتبطة بالمناخ الشرق الأوسط من 6 إلى 14 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بسبب التأثيرات المرتبطة بالمياه على الزراعة والصحة والدخل، وباعتبارها المنطقة الأكثر ندرة في المياه في العالم، ومع ارتفاع درجات الحرارة من المحتمل أن يؤدي إلى مزيد من الجفاف المستمر والحاد، وتعد المنطقة بالفعل نقطة ساخنة لتغير المناخ. ومن ثم  فمن مصلحة المنطقة مراقبة تطورات تغير المناخ العالمي، وتتبع ما يخبأ في المستقبل القريب، والاستعداد للتغيير المطلوب للتخفيف من الأزمة.

وإذا أردنا معرفة كم هو العام 2050 قريبا -إذا مد الله بعمرنا- فلننظر له أنه على بعد 28 عاما فقط، وإذا لم ندرك الرقم كما يجب، دعونا ننظر 28 عاما للخلف، أي العام 1996، هل العام 1996 بالفعل بعيد عن ذاكرتنا؟ ألا تبدو كثير من أحداثه وكأنها جرت بالأمس فقط؟

وفي السنوات الثلاثين الماضية، زادت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بأكثر من ثلاثة أضعاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما أدى إلى زيادة الانبعاثات عن المتوسط العالمي للفرد، وتعد منطقة الشرق الأوسط أيضًا موطنًا لأكبر 10 دول من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد.

وفي الواقع، إن مشكلة التغير المناخي تحدٍّ كبير للمجتمع الدولي بأكمله، إذ أثارت اهتمام جميع الأوساط الدولية والإقليمية من منظمات وهيئات حكومية وغير حكومية، ومن أجله تعقد العديد من الفعاليات العالمية منها قمة الأمم المتحدة لتغير المناخ في بالي بإندونيسيا 2007، وقمة كوبنهاجن 2009، والمعاهدة البيئية الدولية التي خرجت للضوء في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية تحت مسمى بروتوكول كيوتو، ثم اتفاقية باريس للمناخ، وغيرها.

وتزداد آثار التغير المناخي الذي يشهده عالمنا المعاصر نتيجة عمليات طبيعية داخلية، أو قوى خارجية، أو تغيرات في بنية الغلاف الجوي، أو في اتساع رقعة اليابسة، وتمثلت إرهاصات هذا التغير بالأعاصير والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن انبعاثات الغازات، والتي شكلت تهديدا للمجتمع الدولي وللاقتصاد العالمي برمته، وإن لتغير المناخ جملة من التأثيرات السلبية على الأصعدة البيئية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن يبقى التأثير الاقتصادي هو الأهم.

وكأن تحديات البيئة والمناخ في العالم ما كان ينقصها سوى الحرب الروسية في أوكرانيا، والتي أسفرت عن تراجع الزخم العالمي تجاه حماية البيئة والمناخ، بل إن بعض دول أوروبا أعادت فتح مناجم الفحم التي أغلقتها منذ عقود طويلة نتيجة لآثارها البيئية الكارثية، وبدأت مجددا باستثمار تلك المناجم في محاولتها التعويض عن الغاز الروسي.

الخسائر الاقتصادية الناشئة عن التغيرات المناخية تتمثل في التأثير السلبي المباشر على الناتج والإنتاجية من جراء التغير طويل الأجل في درجات الحرارة، وزيادة حدة أو تعاقب حدوث الظواهر المناخية المتطرفة لا سيما في قطاع الزراعة وصيد الأسماك والسياحة، والتكاليف الناشئة عن ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة شدة الفيضانات، فحدوث ارتفاع قدره متر واحد من شأنه أن يخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10% في العديد من الدول كمصر وموريتانيا وبنغلاديش، واستمرار التدهور في الأوضاع المالية بسبب تقلص القواعد الضريبية التقليدية، وزيادة الإنفاق الموجه لتخفيف تغير المناخ والتكيف مع مستجداته، وبروز مشكلة في موازين المدفوعات لبعض الدول بسبب انخفاض صادرات السلع الزراعية تحديدا، إضافة إلى الآثار السلبية التي ترتبط بفقدان التنوع البيولوجي والنظم البيئية، وآثار تغير المناخ على صحة الإنسان ونوعية الحياة.

بالمقابل يمكن زيادة إشراك القطاع الخاص في الاستثمارات الواعية بتغير من أجل نمو أنشطة الأعمال المناخية، والإيفاء بالأهداف المدرجة في اتفاق باريس للمناخ، وهذا يوفر بالمقابل استثمارات مبتكرة واعية بالمناخ تقدر بتريليونات الدولارات، لا سيما في الأسواق الصاعدة، وتشير تقديرات مؤسسة التمويل الدولية  إلى وجود 21 دولة نامية تمتلك وحدها فرصا استثمار واعية بتغيرات المناخ تقدر بنحو 23 تريليون دولار حتى عام 2030.

ولا بد هنا من الإشارة إلى مبادرات مملكة البحرين على صعيد دعم الجهود العالمية ذات الصلة بالبيئة والمناخ، بما في ذلك إصدار حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم القانون رقم (7) لسنة 2022 بشأن البيئة والذي وضع حجر أساس تبنى عليه كل الخطط والمبادرات والمشروعات ذات الصلة بالحفاظ على البيئة والمناخ في المملكة، وتعزيز استدامتها من جميع النواحي، بما فيها الناحية الاقتصادية والاستثماري، كما أن هناك خطوات اتخذت على صعيد تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة كان آخرها إعلان حلبة البحرين الدولية عن مشروع لتزويدها بالطاقة الشمسية، ولا ننسى إعلان المملكة التزامها بالحياد الكربوني الصفري حتى العام 2060.

لم تعد قضايا البيئة والمناخ ترفا يمكن تأجيل النظر فيه للمستقبل، بل باتت مصيرية بالنسبة لحياة مليارات البشر على كوكب الأرض وأرزاقهم ومأكلهم وصحتهم والهواء الذي يستنشقونه، كما أن العناية بالبيئة والمناخ تضمن استدامة النمو والاستقرار والرفاهية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها