النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

عاشوراء البحرين والحريات الدينية

رابط مختصر
العدد 12181 الأحد 14 أغسطس 2022 الموافق 16 محرم 1444

لم استعجل الكتابة عن موسم عاشوراء والشعائر الدينية بالبحرين هذا العام (2022) حتى أرى بنفسي بعد انقطاع لمدة عامين بسبب جائحة كورونا المستجد وما خلفته من آثار، وهل فعلًا يمارس الناس شعائرهم بكل حرية وفق القانون والنظام؟! لذا كانت لي زيارة خاصة مع بعض الأصدقاء الأوروبيين المقيمين بالبحرين منذ سنوات لرؤية العزاء ومواكب المعزين والمآتم، فهي المرة الأولى التي يطلعون فيها على الشعائر الحسينية وما تقدمه المآتم والمواكب من خدمات، وما تهيئه الحكومة الرشيدة من خلال وزارات الدولة مثل الداخلية والصحة والبلديات وغيرها لإنجاح الموسم.

في احدى ليالي العشر من محرم (ليلة السابع) كانت لنا زيارة مسائية في العاصمة (المنامة) مع الوفد الأوروبي وبعض المنظمين بالعزاء لزيارة مجموعة من المآتم والفعاليات، فكانت زيارتنا لمأتم الصفافير ومأتم العريض ومأتم بن رجب ومأتم القصاب ومأتم مدن (لم نستطع الدخول فيه لكثرة المعزين بالداخل) ومأتم العجم الكبير والمرسم الحسيني ومرسم الفنان عباس الموسوي، فكان الاستقبال والترحيب من أصحاب المآتم والمعزين بالشوارع والطرقات، فقدموا لنا الطعام والشراب ومن بينها (عيش الحسين)، وكان التنظيم والترتيب هو عنوان العمل في هذه الأيام، وهذا الأمر ليس بالغريب لما للمأتم والمواكب الحسينية من خبرة ودراية، وهو تأكيد على النموذج البحريني في مجال الحريات الدينية التي تشهدها البحرين، وهذا مشاهد في كل الفعاليات التي تقام بالبحرين لأتباع الأديان والمذاهب، ولكنها تتجلى بشكل أكبر في موسم عاشوراء من كل عام، فالحرية الدينية والتعايش السلمي هو سمة المجتمع البحريني، وهو ما يميز المجتمع البحريني عن سائر المجتمعات الخليجية، والأجمل هي صورة المودة والمحبة التي يتميز بها المجتمع البحريني.

عاشوراء البحرين بلا شك يختلف عن بقية الدول بالمنطقة لتنوع المجتمع البحريني، ففي شهر محرم الحرام وذكرى عاشوراء هناك شعائر الدينية مختلفة، فهناك من يصوم شهر الله المحرم، ومن يصوم تاسوعاء وعاشوراء شكرًا لله لإنقاذ موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده، وآخرون يقيمون الحداد على استشهاد الإمام الحسين الذي قتل على أيدي الفئة الباغية، لذا هذه الأيام لها مكانة خاصة لدى المسلمين بالعالم، سنة وشيعة، ومن يتأمل ذكرى عاشوراء بالبحرين يرى أن هناك تميزًا في الذكرى عن باقي دول الخليج العربي وفي مقدمتها إجازة عاشوراء (يومين) لإتاحة الفرصة للمعزين للمشاركة في هذه الذكرى.

زيارتنا للمآتم ورؤية المواكب الحسينية التي تميزت بالتنظيم بلا شك أن لرؤساء المأتم والمواكب دورا كبيرا في هذا الجانب، فرأيناهم موجودين ولساعات متأخرة من الليل خدمة للمعزين، وهو جهد كبير يشكرون عليه، وما تعاونهم مع مؤسسات الدولة إلا احدى الركائز الرئيسة لإنجاح هذا الموسم، فوزارات الدولة ومؤسساتها كانت حاضرة وبقوة حيث سخرت كل طاقاتها وإمكاناتها، وهذا ما شاهدناه ونحن نجوب شوارع المنامة وطرقاتها، وقد كان هناك قبل أيام اجتماع بين معالي وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة ورؤساء المأتم ومسئولي المواكب الحسينية لتعزيز الشراكة المجتمعية في التنظيم والإعداد، وهذا ما لمسناه ونحن نرى رجال الشرطة وخدمة المجتمع - رغم حرارة الجو والرطوبة - وهم يسهلون حركة المعزين حفاظًا على سلامتهم.

ما لفت انتباهنا رجال الشرطة والصحة والبلديات، فجميعهم في مواقعهم ولساعات طويلة، رجال الشرطة لحفظ الأمن، والصحة لتقديم الخدمات الصحية، والبلديات للمحافظة على نظافة الشوارع والطرقات، لقد كان مشهدًا حضاريًا كبيرًا لفت انتباه الأصدقاء الأوروبيين حينما علموا بأن كل ذلك خدمات مجانية تقدمها الدولة لشعبها بخلاف ما يجري في الدول الغربية حين تفرض عليهم رسوم وضرائب وتلزمهم بتنظيف الشوارع والطرقات!

الشعائر الدينية في عاشوراء أو غيرها من المناسبات هي تأكيد على مساحة الحرية التي يمارسها الفرد وفق النظام والقانون، وهو ما نص عليه دستور البحرين في المادة (22): (حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دُور العبادة، وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقا للعادات المرعية في البلد)، وهذا ما شاهدنا في شوارع المنامة أثناء مرور المواكب الحسينية، فهناك من يحمل الإعلام، ومن يردد الشيلات، ومن يضرب على الصدر والظهر، ومن يقدم الطعام والشراب وغيرها.

مع بداية شهر الله المحرم خرجت بعض التغريدات المغرضة التي تهدف لإشاعة الفوضى والخراب والتدخل في شئون البحرين الداخلية، وهي تغريدات صادرة عن جهات تتربص بالمجتمع البحريني، ولكنها جوبهت بقرار صارم من معالي وزير الداخلية، وهو قرار صائب وحكيم، فالبحرين لها خصوصية تختلف عن سائر الدول، وقد أكد معالي وزير الداخلية على أن أهل البحرين قادرون على الاحتفاء بمناسبة عاشوراء دون مشاركة خارجية، والأمر الثاني لا يمكن تحويل المناسبة الدينية إلى كرنفال سياحي من أجل جذب السياح وانعاش الاقتصاد، وقد حاول بعض المغرضين خلط السم بالعسل حين حاولوا المقارنة بين الشعائر الدينية والحفلات الفنية، والجميع يعلم بأن الشأن الديني بعيد كليًا عن تلك البرامج.

موسم عاشوراء هذا العام اختلف وبشكل كبير عن الأعوام الماضية، خاصة وأنه جاء بعد جائحة كورونا، وعاشوراء هذا العام وكل عام هو تحت رعاية جلالة الملك المفدى الذي يقدم الدعم والمساندة لإنجاح هذا الموسم، وجريًا على عادته السنوية فقد أمر بصرف المكرمة الملكية السخية للمآتم والروضات الحسينية للعام الهجري، وهي سنة حميدة من جلالته لمشاركة أبناء الطائفة الشيعية في مناسبة عاشوراء، وكما يقدم جلالته لأتباع الأديان والمذاهب والثقافات في مناسباتهم الدينية.

شعائر عاشوراء هذا العام كما الأعوام الماضية هي تأكيد على الحريات الدينية بالبحرين، وما نجاح موسم هذا العام إلا دليل على تعاون المأتم والمواكب مع وزارات الدولة ومؤسساتها، وموسم عاشوراء هو تأكيد على ثقافة التعايش السلمي التي يتمتع بها المجتمع البحريني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها