النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

من المؤتمر في يالطا إلى الحرب في أوكرانيا

رابط مختصر
العدد 12178 الخميس 11 أغسطس 2022 الموافق 13 محرم 1444

حرب بعد حرب، وسلام بعد حرب، وحرب بعد سلام، واثناء فترات السلام تتصاعد مناوشات بين الكبار، والكبار يجرون معهم الصغار، تبدأ إعلاميًا ومن ثم تتطور إلى معارك سياسية، ومع سخونة المواجهات السياسية وارتباطها بالمصالح الاقتصادية ومناطق النفوذ تنزلق المعارك السياسية إلى فتح جبهات عسكرية على بقع من ارض الصغار وتتفجر حروب بالوكالة، وهذه الحروب تتغذى عسكريًا ولوجستيًا على دعم الكبار، بينما الكبار يتوارون وراء الستار يلعبون القمار على طاولة الدبلوماسية ويتسلون بالحرب والسلام.. هكذا تدور وتتوالى حرب بعد حرب، وكل حرب حاضرة العن من اختها السابقة، وكل حرب قادمة اشطن من الحرب القائمة، إلى أن يحين الموعد اللا ارادي لأم المعارك، وهي الحرب الختامية التي ستسدل الستار على مجموعة كبيرة من الاجناس البيولوجية والنباتية، ولا احد يستطيع ان يجزم اذا كان في مستطاع تربة الارض واجواء السماء أن تلبي قوانين الطبيعة وتشكل مجموعة حياتية جديدة على غرار ما حصل قبل ستين مليون سنة بعد النيزك الذي قضى على عهد الديناصورات.. لا عزاء للإنسان امام هذا الزخم الهائل والمتجدد من الآلام والمعاناة لأنه لا جديد في هذا السيناريو، فهو سمة الإنسان على الارض، وهو تكرار لما عبر عنه الشاعر الروماني أوڤيد قبل الفین سنة في ملحمته الرائعة «مسخ الكائنات» Metamorphoses.

حرب وسلام، والسلام فاتحة لحرب كبرى قادمة تسبقها حروب صغيرة، وهكذا كان اللقاء على طاولة السلام، بعد الاستسلام، بين الكبار الثلاثة المنتصرين، ستالين وروزفلت وتشرشل في يالطا عام 1945، إيذانًا بانتهاء الحرب، وكل قائد كبير يستحوذ على حقه من الحرب بقدر قوته وارادته، وعرف هذا اللقاء بمؤتمر يالطا الشهير الذي وضع اللبنة الاولى لعالم جديد تحت سقف هيئة دولية مستحدثة (منظمة الأمم المتحدة) رسم الكبار المنتصرون لها ميثاقًا، املًا في سلام دائم.. والامل كان اقرب إلى إدعاء باطل يستحيل معه تحقيق «أملَ سلامٍ دائمْ»، لأن الميثاق لم يتضمن من التأكيدات ولا المنظمة تملك القدرات حتى يمكن ضمان سلام لا يتناسب ومصالح الكبار، والدليل على هذا العجز في الميثاق هو حق الفيتو للكبار الخمسة. بموازاة إنشاء المنظمة الدولية، انصب اهتمام المنتصرين على كيفية التعامل مع ألمانيا، أما مصير اليابان فتحول،وبقبول الجميع على مضض، إلى شان امريكى بحت، وكان الاحتلال الامريكي لليابان بعد تاديبها بقنبلتين نوويتين مسحتا مدينتي هيروشيما وناغازاكي من سطح الارض وتبخر الناس فيهما.

في لحظة لقاء المنتصرين في مؤتمر يالطا، كيف كان يفكر كل زعيم ؟ وبماذا كان يفكر؟ كل زعيم كان يحمل في ذهنه رؤيته الخاصة.. تشرشل، ممثلًا للاستعمار الاوروبي، كان يأمل المحافظة على مستعمراته، رغم علمه ويقينه أن الحليف الكبير، العم سام، لن يسمح بذلك، وانه من الأجدى الدخول مع العم سام في تحالف استراتيجي بعيد المدى يحفظ لبريطانيا بعضًا من المكاسب في مناطق النفوذ الامريكي، وهي بهذه الاستراتيجية التراجعية تتحين الفرص لاستعادة مكانتها، التي كانت الشمس لا تغيب عنها، حتى لو كان على حساب الحليف الاستراتيجي.. روزفلت، ممثلًا لدولة عظمى ناهضة، كان مطمئنًا ان الاستعمار الاوروبي صار من الماضي، وان تركة الاستعمار من دول آسيا وافريقيا ستكون من نصيبه وتحت نفوذه..ستالين، ممثلًا لدولة ناهضة لها تاريخ عريق وتتبنى فلسفة سياسية واقتصادية تعادي الراسمالية وكان لها دور محوري في دحر نازية هتلر، وجد نفسه ملتزمًا بمواجهة بقايا الاستعمار الاوروبي والنمط الجديد من الاستعمار تحت النفوذ الامريكي، ولأن الرؤية السوفياتية مناهضة للاستعمار وللراسمالية التي هي أس الاستعمار، فان شعوب العالم التي عانت وكانت ماتزال تعاني من الاستعمار اصبحت تميل إلى توجهات المعسكر السوفياتي، وهذا بحذ ذاته كان عونًا للرؤية السوفياتية.. انتهى صراع كبير، وتشكلت مقدمات لصراعات جديدة، تتراكم وتتعاظم إلى حين موعد صراع كبير آخر، وقد يكون الصراع الأخير..

المنتصرون، بإضافة فرنسا والصين الوطنية، كان من حقهم فوق حقوق بقية دول العالم مكسب استثنائي وهو حق الفيتو.. وحق الفيتو يمكن ان يعطل حلولًا سلمية لقضايا مصيرية، ويعرقل مشاريع لحل قضايا الفقر والبيئة والتنمية في الدول التي تعاني من قضايا اقتصادية خانقة، والمصالح الذاتية هي التي تقرر مسار حق الفيتو وليس الأهداف الرئيسة التي من أجلها تم انشاء منظمة الأمم المتحدة.. بعض الدول الكبرى تمادت في اعطاء نفسها حقوقًا تناقض أهداف الأمم المتحدة وحتى من غير حق الفيتو، فإن دولة كبرى مثل أمريكا اعطت لنفسها بنفسها الحق لغزو العراق ضاربة جميع المواثيق عرض الحائط، والناتو كذلك اعطى لنفسه الحق، وبمباركة من أمريكا وبريطانيا، التدخل في يوغوسلافيا وفي ليبيا وتدميرهما وقتل الأبرياء فيهما والعمل على تقسيمهما وإحداث الفوضى فيهما دون أي اعتبار لجميع المواثيق الدولية ودون أدنى وأعز من ضمير، وبعجرفة تطلق العنان لجميع انواع الحماقات والجرائم ضد الإنسانية، وبشاعة التعذيب وهدر الكرامة للسجناء والاسرى في سجن ابو غريب سطور بشعة وقبيحة لحضارة الغرب يخجل منها التاريخ.

بين مؤتمر السلام-الاستسلام في يالطا إلى الصراع في أوكرانيا، كانت الحروب تتوالى وتتعاظم وتتعقد يومًا بعد يوم، وصاحب الصراعات والحروب خروج المنظومة السوفياتية من ساحة الصراع، وحلت روسيا الاتحادية محلها، واستمرت المواجهة رغم تعطل العقيدة المناهضة للراسمالية وللاستعمار.. وواصلت الصراعات والمواجهات إلى ان وصلت جذوتها على الحدود الروسية وهي الخط الاحمر الذي يفصل بين الحياة والموت بالنسبة لروسيا، فكان التدخل الروسي المباشر في أوكرانيا عبر عمليات عسكرية مدروسة. أوكرانيا اليوم هي ساحة صراع لم يسبق له مثيل، بين الدول التي شاركت في مؤتمر يالطا، قد يكون مقدمة للصراع الكبير. ورغم الدور الاوروبي، إلاّ ان الدور البارز امام روسيا بيد أمريكا وبريطانيا.. قرارات يالطا كانت تتضمن اشارات واضحة إلى ان العالم بعد الحرب العالمية الثانية مقبل على مرحلة جديدة من الصراع آكثر تطورًا من جميع الصراعات والحروب السابقة في التاريخ.. كل طرف في الصراع متحفز بقدراته النووية، ولكن اذا ما تواجه النووي مع النووي فلن يبقى على سطح الارض مكان يمكن ان ينعقد فيه مؤتمر يجمع بين السلام والاستسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها