النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

بين وادي الرفاعين جسر للأفكار والمسرح..

رابط مختصر
العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444

لم يكن وادي الرفاعين، الشرقي والغربي، واحة جميلة ويانعة ومغرية للطيور المقيمة والموسمية والمهاجرة، أو متنزها ربيعيًا أخضر يتقاطر عليه أهالي المملكة من مختلف المدن والقرى، أو موعدًا موسميًا فريدًا بين نساء الرفاعين والأعشاب الخضراء التي تكتسي بها أرض الوادي وهضباته وتلاله ومنخفضاته الطينية، والتي يجدون فيها ضالتهم الطبية ونكهتهم الغذائية، هذه الأعشاب التي يستهوي بعضها بعض الأطفال والشباب المولعين بصيد الطيور، والذين يجدون فيه تسلية لقضاء وقتهم وقتله أثناء مراوغتهم هذه الطيور بغرض توجيه اهتمامها نحو الطعم (الدودة) الذي يتعرش صدر الفخ مكشوفًا كان أو مخبأً بين التراب، وما أجمل الحوار الهادئ الحذر الذي يدور بيننا وبين هذه الطيور التي توشك أن تتراقص أجنحتها عندما تصل إلى مرمى طعمها بإيعاز من أجنحة أذرعتنا التي تقودها بمخاتلةٍ ملؤها الصمت والهدوء نحو هذا المرمى.
لم يكن هذا الوادي متعة الحبّالين وصائدي (الضببة) والجرابيع ومدمني أكل الجراد الحي الذي أصبح مع مرور الوقت إحدى الوجبات الرئيسية لأهالي الرفاعين وخاصة في موسم الربيع، أو فسحة لتأمل (النّوار) وهو يهب ذهبه الأصفر المشع بعد كل مطر موسمي إلى امتداد البصر في مدى أرض الوادي، أو مخبأ دافئًا للكمأ الموسمي الذي تغري نتوءاته البنية الطافحة على صدر الطين المتشقق جراء ضوء الشمس بعد المطر، تغري أهل الرفاعين، خاصة وأنها مشبعة برائحة طينية مميزة، فيقبلون عليها وأنوفهم تسبقهم نحو هذا الحصاد الموسمي.
 لم يكن هذا الوادي الأليف الحميم الرحيم الودود المخصب الحاني، مرتعًا لسقاية أعذب ما وهب الله من ماء لأهالي الرفاعين، وهو ماء عين (لحنينية) الذي لا زلت حتى هذا اليوم وهذه اللحظة استذكر واستشعر وأستذوق طعمه ونكهته، هذه العين التي تتوسط الوادي وتعتبر أهم معالمه الحضارية والتاريخية والحيوية، والتي بسببها انتعشت أرض الوادي بأجود القمح، هذا القمح الذي أنتج أبدع الفنون الخاصة بأهل الرفاعين، وهو فن (دق الحب)، أو فن الحصاد، هذه العين التي لا نكف عن الارتواء منها، كانت بجانب كونها عينا للشرب، هي أيضًا دواء للجروح ووسيلة لصيد الجرابيع وكمّادة باردة لحماية رؤوسنا الحاسرة العارية من الشمس، وكانت أيضا بمثابة الجار الكريم الذي يجاور زاد روحه أكبر حمام سباحة أنتجته أمطار الشتاء والمواسم، والذي يجد فيه صبية الرفاعين وشبابهم ملاذهم الآمن حين تعطش أجسادهم الملحية السمراء بسبب عري الوادي وشمسه العمودية، وكان يطلق أهل الرفاعين على هذا الحمام (أم الأرواح)، ولهذا الإسم معان ودلالات اجتماعية وميثولوجية تتصل بقربها أولاً من المقبرة الكبيرة في الوادي والتي تكتسي شواهدها في الشتاء وفي موسم الربيع بالأعشاب الخضراء الكثيفة التي يضل كثير من زوار القبور مواقع قبور من يقصدونهم من أهلهم أو من أقربائهم، كما تتصل بالكم الهائل من الأرواح التي تعشق هذا الحمام، بما فيها الحيوانات أيضًا، من حمير وكلاب وقطط، فكل الأرواح مجتمعة تألف هذا الحمام الجامع، هذا إلى جانب أن عين (الحنينية) الحنونة، كانت تجاور أيضًا نخلة لا تنتج أو (تطرح) غير الرطب الأخضر الصغير المجفف المائل قليلاً إلى البني والذي يطلق عليه (الخلال) أو (الحبمبو)، وهو ثمرة طيبة ولذيذة الطعم خاصة في موسم الصيف.
لم يكن هذا الوادي بمثابة ثغور يلجأ إليها الأطفال والصبية للاستراحة بعد تجوالهم في فسح الوادي وسفوحه، أو بهوًا متعدد المستويات لرسامي الطبيعة في الرفاعين وفي المملكة، أو ملعبا واسعا لكرة القدم والغولف، أو متكأ لبقايا قلاع أثرية قديمة، أو حفرة واسعة لحرق الأخشاب التالفة، أو استراحة لتأمل الشمس لحظة الغروب، والتي كما هو معروف، تشرق في الرفاع الشرقي وتغيب في الرفاع الغربي، أو استراحة للقراءة وطلب الهدوء حين تضج المدينة بالأصوات والحركة.
لم يكن وادي الرفاعين في كله، وفي كل ما ذكرت، وُجد لذلك فحسب، فهو بالنسبة لي أيضا إضافة إلى ذلك، وفي لحظة تعلقي بالمسرح تحديدا وأنا لم أتجاوز بعد سن الحادية عشر من ستينيات القرن الماضي، كان بمثابة فسحة لأفكار مسرحية اختبرتها برفقة صديق العمر والتجربة الفنان عبدالله السعداوي، ونحن نذرع الوادي من شرقه كل يوم حتى غربه، حيث نادي الرفاع الغربي الذي أطلق عنان أفكارنا على خشبته الصغيرة الحميمة برعاية وحنو لا يضاهيان من قبل من يديره، ومن ثم العودة مساء من غرب هذا الوادي حتى شرقه وقد أنجزنا حينها بعض المهام والأفكار التي شغلتنا ونحن نذرع الوادي نحو هذا النادي.
وكان هذا الفسح اليومي الذي نقطعه أنا والسعداوي كل يوم، اختبر الكثير مما ذكرته في طبيعة هذا الوادي وعادات أهله، بل أنني في فترة من فترات دراستي الأكاديمية بالكويت، استرجعت ذكرياتي مع هذا الوادي وعينه الحنون (الحنينية) من خلال أوبريت غنائي حمل عنوان (روّاية)، وقد لحنه الفنان يعقوب يوسف وشارك في غنائه وأدائه بعض الفنانين البحرينيين وهواة الفن من طلبة البحرين بالكويت.
كان هذا الفسح الحميم، أشبه بالنسبة لي بمنقي أو مصفي للذهن والمخيلة، فكلما أعبره أجدني أعبر فسح خشبة واسعة كبيرة، أقف فيها، أتأملها، أستحضر بعض الشخصيات، أعرضها على السعداوي الذي غالبا ما يؤجج المخيلة ويستفزها لدي ولو في شكلها الكارتوني الذي اعتدته منه، وكان يرى أن كل زاوية في هذا الوادي قابلة لأن تكون مسرحا وفضاء للعرض المسرحي، وهكذا كانت بعض الحالات حين التحقنا بالكشافة، وكان الوادي فضاء من أفضيتها المتعددة.
وبين فسحة الوادي الشرقي وفسحة الغربي، اكتملت فكرة أول نص مسرحي أكتبه وهو (من الغلطان)، وبعدها أخضعت هذه الفكرة عمليا للكتابة والتجسيد في نادي الرفاع الغربي، وما أن أخضعت هذه الفكرة للتنفيذ، حتى وجدتني والسعداوي وفريق مختبر النص من الأصدقاء الفنانين، من بينهم سعد الرويعي وأحمد الغدير والفنان الراحل غالي راشد، نمعن في استنطاق ما كنا نعبر من خلاله في الوادي، وتحويله إلى حالة حية مجسدة أمام أعيننا، وأصبحت كل هذه ( المرئيات ) حية في ذاكرتنا وفي فعلنا اليومي والمسرحي، ولم تكن للمشاهدة اليومية العابرة التي يقتضيها الطريق دون تأمل يدعو ويستفز لتشكيل حدث ما فيها.
وأذكر كم الأوراق التي استهلكتها في بعض زوايا الوادي وأنا أعيد كتابة النص وأراجعه، ولا أنسى ما حييت حارس عين الحنينية ( سعيد )، الذي رآني ذات مرة منصرفا إلى أوراقي أخربش فيها بعض أفكاري المسرحية، فسألني: ماذا تكتب يا ولد؟ ألم تجد مكانًا أفضل من هنا ؟ بيتكم مثلاً ؟ فكانت إجابتي وبعفوية طفلية شديدة وساذجة جدًا: أنا أحاول أن أكتبكم..
ضحك حارس العين سعيد ثم قال: استغفر الله.. الله هو الكاتب، وهو من (يكتب) علينا حياتنا ومماتنا..
غادرني حارس العين سعيد، ولكن الكتابة سكنت روحي وعظمي، وصار الوادي حينها بالنسبة لي مسرحي الكبير الذي تتجسد فيه كتابتي وأنا أعبر فسحه كل يوم متجها نحو مسرح نادي الرفاع الغربي، بيتي الذي تجسدت فيه كلمات الكتابة الأولى في المسرح التي احتضنها بود يومي هذا الفسح الحميم، والذي أطلق أول أجنحتها بوصفها عرضًا مسرحيًا، الفنان الصديق عبدالله السعداوي، مخرج مسرحيتي (من الغلطان)..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها