النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

المذهبي والسياسي في المشهد العراقي

رابط مختصر
العدد 12172 الجمعة 5 أغسطس 2022 الموافق 7 محرم 1444

 في ضوء ما يجري في العراق من تطورات تقود شعبه إلى إحداث تغيير في المشهد السياسي يعود به إلى الطريق القويم؛ ليضعه على مسار الدولة الطبيعية، يمكن القول إن التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر يضع المقدمات الضرورية - والتي يفرضها السياق العراقي - لعزل القوى المنضوية ضمن ما سُمي بالإطار التنسيقي، وهو الإطار الذي يضم أحزابًا طائفية من أهمها حزب دولة القانون وكتلة الفتح الممثلة لفصائل الحشد الشعبي، أي الأحزاب التي وضح مسعاها في العمل على تشكيل حكومة مرتبطة بأجندات إيرانية منذ ظهور نتائج الانتخابات النيابية قبل أكثر من عشرة أشهر من خلال ترشيح المالكي لظله محمد شياع السوداني رئيسًا للوزراء.

 ورأيي الشخصي أن وقفة الصدريين ضد هذا المرشح لم تكن وليدة لحظة شخصية ضد المرشح بقدر ما كانت ضد توجه عام لدى هذا الائتلاف العميل الذي ضاعفت التسريبات الأخيرة اليقين لدى الرافضين والمترددين ومن يدعون الحياد بأنهم أمام عصابة، من زعمائها نوري المالكي زعيم دولة القانون، لا تهمها إلا سدة الحكم العراقي خدمة لمصالح إيران أولاً وتأبيدًا لحالة الفوضى العراقية التي صنعت منهم أثرياء حرب طائفية تُدار بأكثر الأساليب خساسة بما في ذلك إشاعة الفوضى والاحتراب داخل «البيت الشيعي». 

 إن الخلاف بين نوري المالكي ومقتدى الصدر لكبير، وهو في ظل المعطيات الأخيرة مرشح للتصاعد أكثر، وإلى إحداث مزيد من التأزيم سواء في العلاقة بين الرجلين بما يمثلانه من ثقل سياسي أم في المشهد العراقي الذي نجح في العقدين الأخيرين في إظهار أسوأ ما فيه من رجال الطبقة السياسية، ولعل صورة المالكي البائسة وهو يحمل رشاشًا ومحاطًا بمجموعة من المذهبيين المدججين بالسلاح خير دليل على ذلك وعلى الأشكال التي تُدار بها الحوارات السياسية في المشهد العراقي حتى بين المتشابهين مذهبًا والمختلفين تصورًا للعراق حاضرًا ومستقبلاً. 

 بلا شك إن رجل الدين والسياسي العراقي سليل بيت الصدر، مقتدى الصدر كان وسيبقى مثيرًا للجدل، وإنك لا تلبث أن تتفق معه في رأي يبديه حول ما يجري في العراق أو سلوك يأتي به هناك حتى يفاجئك وعلى عجل بضدهما. وبسبب تقلباته السياسية فقد كانت له أدوار مؤثرة في حراك التشرينيين الذي خرجوا في أكتوبر إلى الساحات العراقية يبحثون عن وطن صادرت قراره السيادي إيران بواسطة ميليشيات مسلحة، فقد تباينت أدواره بين الإيجابي دعمًا للحراك ونصرة له في بداية الحراك والسلبي جدًا عندما انقلب على الحراك انقلابًا مبرره الأوحد إحساس بأن الحراك قد نجح في أن يصبح ذا وزن سياسي مهم قد يضعف مكانة الصدر في المشهد السياسي العراقي الجديد. ورغم ذلك فهذه المواقف على تقلبها لم تكن في مطلق الأحوال شبيهة بأدوار الأحزاب الطائفية الأخرى التي بذلت جهودًا في تشويه مطالب الحركة.

 ولذلك أعداد من لا يختلفون في شأن رؤية مقتدى الصدر لعراق عربي إسلامي سيادي لا يرتهن لا لأمريكا ولا لإيران كثيرة، وهؤلاء يُعدون الخصم الموضوعي والطبيعي لمختلف الأحزاب الطائفية التي ارتبطت بإيران ارتباط ذل وعمالة، وهم يرون ما يراه مقتدى الصدر بحسب قراءتنا الخاصة، فهم مع أمريكا بمقدارٍ حدوده ما تظهره هذه الدولة من احترام للسيادة العراقية، وهم مع إيران بمقدار ما تفرضه الطقوس المذهبية لا السياسية من احترام للمشترك المذهبي. مقتدى الصدر يختلف عن كثير من الإسلاميين في المشهد السياسي العراقي، وخصوصا مواقف صاحب الانحيازات الإيرانية، الطائفي نوري المالكي، زعيم حزب دولة القانون الذي لا يتوانى عن إظهار طائفيته وانحيازه لإيران سرا وعلانية.

 هذان السياسيان الإسلاميان، اللذان أتاح لهما التمكين الأمريكي كما أتاح لغيرهما من أحزاب الإسلام السياسي وتياراته تسلق السلطة ليعبثوا بمقدرات الشعب العراقي، يضمران عداءً صريحًا لبعضهما البعض، وقد عبر نوري المالكي عن هذا العداء، بما لا يدع مجالاً للشك، في تسريبات صوتية مسجلة تبين فيها أنه يحضّر لاحتراب داخلي داهم لن يكون خطره على الميليشيات المسلحة التي تدعمه مع ميليشيات مقتدى الصدر فحسب وإنما سيمتد ليطال مكونات المجتمع العراقي برمتها. ليرد عليه مقتدى الصدر مطالبًا إياه بـ«اعتكاف العمل السياسي» ويتهمه بـ«محاولة قتله من قبل حزب الدعوة وكبيرهم المالكي».

 لقد كان لهذه التسريبات وقعاً مباشرًا على العملية السياسية المصابة أصلا بالشلل لأسباب كثيرة ولعل أولها طمع الإطار التنسيقي في التفرد بالسلطة واقتسام المنافع وربط الدولة العراقية بإيران، والتيار الصدري الذي يروم نبذ المحاصصة الطائفية وتحقيق السيادة الكاملة للدولة العراقية.

 المؤكد الآن أن الإطار التنسيقي يريد ربط الدولة العراقية بإيران تحقيقًا لأجندة إيرانية هو مرغم على تبنيها وتنفيذها، ولعل في تسريبات المالكي الأخيرة الكثير مما يعزز هذا التوجه ويؤكد هذا المنحى، أما التيار الصدري فيبقى رغم كل شيء مثيرًا للتساؤل؛ فهل هو يريد فعلا نبذ الطائفية في مؤسسات الدولة والمجتمع العراقي؟ وهل إنه حقًا يريد تحقيق السيادة العراقية الكاملة؟ سيبقى مقتدى الصدر دائمًا محل شك، وهذا ما ينبئنا به سلوكه السياسي منذ الإطاحة بنظام صدام حسين. ولهذا فإن تبني رأي واضح تجاه مقتدى الصدر صعب، ولكننا نتمنى أن تكون السنوات العجاف التي مر بها العراق قد قدمت الدرس الذي ينبغي أن يتعلم منه الجميع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها