النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12229 السبت 1 أكتوبر 2022 الموافق 5 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:12AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

سوق سمك

رابط مختصر
العدد 12170 الأربعاء 3 أغسطس 2022 الموافق 5 محرم 1444

في سوق صغير جغرافيا مثل السوق البحريني، ينطلق النشاط التجاري أو الصناعي أو الخدمي بقوة وازدهار ومرابح جيدة، لكن ما أن تبدوا مظاهر النعمة والرزق الوفير بالظهور على أصحابه - عن قصد أو بدونه، حتى يكثر المنافسين «المحترمين»، وبسرعة أكبر يزدحم السوق بـ«كل من هب ودب»، ويصبح النشاط كما يقال «سوق سمج» كناية عن المزاحمة وارتفاع أصوات الباعة والرائحة غير المستحبة التي تعلق أحيانًا بالأيادي والملابس.

كل نشاط تجاري يمر - إلا من رحم ربي - يمر بهذه الدورة العمرية. معارض بيع السيارات كانت مزدهرة في فترة من الفترات، واليوم تسمع أن صاحب معرض يشتكي من أن الزبون يأتي للمعرض ويأخذ رقم لوحة السيارة المعروضة ويستخرج اسم صاحبها من المرور ثم يتصل به ليشتريها منه مباشرة ملتفًا بذلك على حصة المعرض التي تقدر بمئة دينار.

نشاط الخدمات الصحية كان في فترة من الفترات مزدهرًا، مستشفيات ومراكز صحية ومراكز طب أسنان وصيدليات وغيرها. كانت خدمات تقويم الأسنان تكلف الشخص أكثر من ألف دينار قبل نحو خمس سنوات فقط، واليوم يمكن الحصول على الخدمة ذاتها بأقل من عشرين بالمئة من هذا المبلغ، بل ومن الممكن تسديدها على أقساط أيضًا (20 دينار شهريًا)، بحسب إعلانات كثير من المراكز.

خدمات إدارة مواقع التواصل الاجتماعي صمدت لفترة طويلة عند 300 دينار شهريًا بشكل وسطي وأداء متوسط (هذا المبلغ يصل أحيانًا لخمسمائة أو ألف أو أكثر شهريًا). حينها كانت الشركات توظف مصمم جرافيكس، وآخر للفيديو، وكاتب محتوى، ومصور، ومدير حساب، وتضعهم جميعًا في خدمة العميل، أما اليوم فهناك هناك من يقدم هذه الخدمات حاليًا بـ100 وحتى 80 شهريًا، وبل ويضيف عليها مغريات أخرى مثل شهر مجاني كل ثلاثة أشهر، فلا أسهل من لصق صور صباح الخير ومساء الخير في إنستغرام، خاصة إذا كانت شركة في الهند أو أداة على الإنترنت تقوم آليًا بهذه المهمة.

محلات بيع العباءات النسائية شغلت لفترة من الفترات أسواقًا بكاملها، أيضًا محلات الكرك خاصة أول ما بدأ هذا المشروب السحري ينتشر في كل مكان، عربات الطعام أيضا يبدو أن نجمها أفل قبل أن يسطع تمامًا. حتى القطاعات الراقية الراسخة مثل البناء والمقاولات والنقل والتدريب وتجارة التجزئة، باتت مشبعة بكثير من المتنافسين مقابل عدد ثابت أو ينمو ببطء من العملاء والمستهلكين أفرادًا ومؤسسات.

تزداد الأمور تحديًا بالنسبة لرواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عندما يغلق التجار الكبار دارة التشغيل على أنفسهم، كأن يبني أحدهم مجمعا تجاريًا أو برجًا سكنيًا مثلاً بواسطة شركات مقاولات يملكها، ثم يقدم خدمات الإدارة والتسويق والحراسة والتنظيف بواسطة شركات يملكها أساسا، أو يقوم بإنشائها لهذه الغاية، ويصل التحدي مداه عندما يقوم هذا التاجر بطرح خدمات هذه الشركات الرديفة المنشأة حديثًا في السوق أيضًا، فبدل أن يعطي أعمالا ومناقصات لغيره من التجار تزيد حصتهم من السوق، يبدأ هو بنفسه منافستهم والاقتناص من أعمالهم وحصتهم السوقية.

وأذكر أني مرة قابلت رجل أعمال غير معروف على نطاق واسع، وذلك لغرض إجراء حوار صحفي لجريدة «الأيام»، وتفاجأت أنه يحمل 14 «بزنس كارد»، كل واحد منها يحمل اسمه مع تغير الصفة: رئيس مجلس إدارة شركة كذا، الشريك المؤسس في شركة كذا، عضو مجلس إدارة شركة كذا..، الرئيس التنفيذي لشركة كذا..، وكلها شركات تعمل في مجالات مختلفة. عندها قال لي إن «السوق البحريني الصغير يحتم على التاجر تنويع نشاطه، فأنا لست تاجرا في السعودية يمكنني صناعة أرباح وفيرة من خلال الاكتفاء بتجارة نوع محدد من التمور مثلاً».

لكن، هل كل ما ذكرته سلبي وسيئ ومحبط؟ لا على الإطلاق، وذلك لعدة أسباب، أولها أن السوق التنافسي المفتوح هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الحر، والاقتصاد الحر أثبت على الدوام أنه أساس نهضة الدول وازدهارها، الصغيرة منها والكبيرة. بينما الحمائية تضر كثيرا بالأفراد والمؤسسات والشركات، تجعلهم بليدين متكلسين، لا شيء يدفعهم - طوعًا أو قسرًا - للتحرك والابتكار.

في الدول الاشتراكية الفاشلة كانت الحزب الحاكم يتولى، وبل ويحتكر، تخطيط وتسيير أمور المجتمع والاقتصاد وحياة الناس بمعظم تفاصيلها، ماذا يأكلون وماذا يلبسون وماذا يدرسون وأين يعملون، وهذا من ناحية أكاديمية نظرية جيد؛ لأنه يبدو معه أن الجميع في مركب واحد يجدفون بذات الاتجاه الذي يحدده لهم الربان، لكن التطبيق على أرض الواقع نجم عنه نتائج كارثية على الاقتصاد والإنتاجية ومستويات الرفاهية، فكان مواطن تلك الدول يعيش ويموت وحمله أن يملك سيارة أو حرية الاختيار.

الاقتصاد الحر القائم على التنافسية يصب في مصلحة المستهلكين أولاً وأخيرًا، بما فيهم رواد ورجال الأعمال والتجار أنفسهم، فعندما تتوفر الكثير من الخيارات يصبح المستهلك هو صاحب القرار الذي يحرص مزودو الخدمات والمنتجات على إرضائه، فيحصل على أفضل جودة بأنسب سعر، ولذلك وضعت قوانين تحافظ على المنافسة وتمنع الاحتكار بجميع أشكاله.

عودًا على بدء، والبحث عن حل يوفر لرواد ورجال الأعمال الخروج من دائرة «سوق السمج» تلك، ويمنح أعمالهم الاستدامة والتنافسية والربحية؟ إنه أولاً وقبل كل شيء التوقف تماما عن النظر إلى ما في أيدي الآخرين وما يفعله الآخرون، والتحرر من الجنوح نحو تقليد الأعمال وفقًا لسياسة «كوبي بيست».

إنه الابتكار، الابتكار في كل شيء، ليس في تطوير الخدمات والمنتجات الحالية فقط، بل ابتكار خدمات ومنتجات جديدة، ودخول قطاعات جديدة صعبة ومجنونة مثل الفضاء أو النانو وإنترنت الأشياء والمحتوى الرقمي -وليس العملات المشفرة والـ«إن إف تي» بالطبع.

ولا شيء يفتح الذهن على الابتكار مثل القراءة، ليس كتب المهارات والإدارة والأعمال وعلم النفس التسويقي مثلاً فقط، بل حتى الروايات وعلم النفس والتاريخ والديموغرافيا وسير الإعلام، حتى كتاب «فن الحرب» الذي كتبه الصيني سون تزو قبل أكثر من 2500 عام مفيد جدًا في تعلم تكتيكات إدارة الأعمال. إذا كنت تعتقد أن بيل جيتس ووارن بوفيت وستيف جوبز نماذج لرجال أعمال ناجحين فانظر ماذا يقرؤون وما هي الكتب التي ينصحون بها، واقرأها، ربما تضمن الخروج من سوق السمك والتوجه نحو تغيير العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها