النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

مصير الصراع بين المبادئ والمصالح

رابط مختصر
العدد 12164 الخميس 28 يوليو 2022 الموافق 29 ذو الحجة 1443

التربية والتعليم جناحان يطير بهما الانسان في سماء العلاقة بين الانسان والانسان، من أجل ترسيخ دعائم المودة والسلام بين الناس وهم يكافحون من أجل الحياة، دون المساس بحقوق الآخرين وضمانًا لكرامة الانسان في كليته الانسانية. التعليم من بداياته كان تحت رعاية وتوجيه التربية، لأن التعليم وحده يفتقر الى الروح التي تلطف من جديته وتعقيداته، وقوته التي قد ينزلق بها الانسان مع طموحاته الانانية، وينقله من دائرة المبادئ الى دائرة المصالح، ومن ثم الى مصير لا يحمد عقباه.. أصل التربية وقاعدتها الاساسية زرع مكارم الاخلاق في النفوس حتى يكون الانسان مؤدبًا ورحيمًا في تعامله مع الآخرين، في مجتمعه وخارج مجتمعه، والمثل الدارج والشائع منذ بداية حياتنا المدرسية، وهو «العلم بلا أدب كالشجر بلا ثمر»، هو خير تعبير عن فلسفة التربية. التربية توجيه، وليس كل توجيه تربية، إذ أن الذي يوجه أبناءه او تلامذته او أتباعه الى نهج  الحقد والكراهية، او الجريمة او المساس بحقوق الانسان وكرامته، او تحدي العلاقات الطبيعية بين الناس وترويج العلاقات الشاذة، ليس تربية بل توجيه مغرر يدفع الى أتون الرذيلة التي تلوث علاقة الانسان مع الانسان. نهج التوجيه التربوي الصحيح يرتكز على المبادئ حيث يكون العقل حرًا، بينما نهج التوجيه المُغَرِّرْ يستند على المصالح الانانية الضيقة حيث يكون العقل أسير الانانية عبدًا، وعلى الانسان التفريق بينهما بحيث تميل كفة المبادئ على كفة المصالح، وقرار الانسان في الاختيار مرهون بالعلاقة المعقدة بين الغريزة والعقل. التفاعل بين الغريزة والعقل يخرج بمحصلة تحدد طبيعة الخيار، والانسان بين الغريزة والعقل حائر ومرتبك، وفي أكثر الأحيان متردد بين خيارين متناقضين وهو عليم بطبيعتهما، ووظيفة العقل أن يختار بين نهج التربية ونهج التغرير، بين الحياة والموت، بين البناء والهدم، بين الخير والشر، بين المبادئ والمصالح. 

التحليل النفسي الذي توصل اليه فرويد، مؤسس علم النفس، هو أن جميع دوافع الانسان يمكن إرجاعها الى غريزتين أساسيتين هما: «1- غريزة الحياة والحب، بكل ما يندرج تحتها، وهي الغريزة الحميمية التي تجمع بين الذكر والأنثى وهي بالنتيجة الطبيعية تحافظ على الذات والنوع... و2- غريزة الموت والهدم، بكل ما يندرج تحتها، وهي غريزة العدوان والتدمير»... الغرائز في تضارب فيما بينها، وهذا التضارب يمتد الى العقل مما يجعله يعيش تفاعلًا  داخليًا، وكأن جزءًا من العقل يميل الى غريزة، بينما جزء آخر يميل الى الغريزة الاخرى.. وهكذا تتعدد مناهج التوجيه بين التربية والتغرير، وينقسم الانسان بين المبادئ والمصالح. 

النهج التربوي، منذ عهده البدائي وما زال، يسير على طريق وعرة ويواجه تحديا كبيرا بسبب الصراع بين المبادئ والمصالح، ونتيجة لهذا التحدي المعرقل فشل النهج التربوي، نسبيًا، على المستوى العالمي من ترسيخ تلك المبادئ التي من شأنها الحد من سطوة المصالح الأنانية التي تفجر الحروب وتنشر الفقر وتعمق الظلم وتعبث بالطبيعة. 

التربية، بروحها وبفلسفتها وبمبادئها وبمناهجها، تواجه اليوم تحد لم يسبق له مثيل في التاريخ، فاذا كانت تحديات الأمس عراقيل من تضاريس وعرة، فإن التحدي اليوم هو جدار ناري عصي على الاختراق، وهذا تحول نوعي في ساحة الصراع بين المبادئ والمصالح، حيث ان المصالح تحقق انتصارات على المبادئ، والذي قد يبقى من المبادئ، بعد الانتصار والاستسلام، ليس سوى سطور في كتب التاريخ مرصوصة على رفوف مكتبات يتراكم عليها غبار الزمن يومًا بعد يوم، الى أن تنتفي الحاجة الى المكتبات بتأثير موجبات المصالح وغياب المبادئ.

التربية كانت بشكل اساسي محصورة بين البيت والمدرسة، مع بعض التأثيرات من منابر عقائدية واجتماعية، اختراقات مناهضة للتربية كانت تمس البيت والمدرسة بدرجات نسبية متفاوتة، بينما الاختراقات في المنابر الاخرى كانت أوسع وأعمق تأثيرًا.. اليوم لا دور ولا فاعلية، لا للبيت ولا للمدرسة ولا للمنابر كلها، بل لجهاز صغير يسحر الألباب ويشغل الناس عن جميع الواجبات والاولويات والمهمات، وهو لصيق بيد الطفل من سن الرابعة الى يد الشيخ وهو على بُعد خطوات من أبواب القبر. هاتف نقال، الكل يسميه «موبايل»، يحوي على مواقع، لا حد لها ولا حصر لها من جميع ما تشتهيه النفس، فالجميع يرى في هذا الجهاز مبتغاه.. وهذا الجهاز، رغم ايجابياته الكثيرة، إلا أن تأثيراته السلبية وخاصة على النشء كارثي، وقد أصبح هو المعلم والمربي، بل الأب والأم، دون أية ضوابط سلوكية ولا أخلاقية، واللا أخلاقيات التي يحتويها الجهاز من الكثرة كالنار في الهشيم، وهي تدغدغ النفس بدرجات تفوق قدرة العقل على كبح جماح النفس او الحد من اندفاعتها.

بمعنى أن المؤثرات الايجابية على التربية ودعمها كانت دومًا أقل من المؤثرات السلبية عليها، لان غالبية المؤسسات المسؤولة والداعمة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وحتى تعليمية، صارت لاهية بإغراءات المصالح، حتى إن الفساد أصبح شطارة والأمانة اضحت سذاجة.. الشطارة تجلب خيرات السعادة والسذاجة تجلب ويلات التعاسة!! يا لها من معادلة جنونية!!

هذا السيناريو العالمي يعكس صورة لصراع قديم بين المبادئ والتربية من جانب، والمصالح والتغرير من جانب آخر، ونرى اليوم أن المصالح تتقدم على المبادئ بخطوات أسرع وبتأثيرات أقوى، مما قد يمكنها، أي المصالح، من طمس المبادئ بحيث يضطر العقل قريبًا أن يقر بأن «المبادئ» قد عفى عليها الزمن وأنها أصبحت من التاريخ مثل بقية الأساطير، وأن وظيفة العقل لا بد أن تنحصر في التفكير والانشغال بمتطلبات وبموجبات المصالح فقط.. وهذا ينبئ بطبيعة المستقبل الذي ينتظر البشرية، وهو مستقبل مظلم...!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها