النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12234 الخميس 6 أكتوبر 2022 الموافق 10 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:13AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:48PM
  • المغرب
    5:19PM
  • العشاء
    6:49PM

كتاب الايام

صحافيون بلا تقاعد

رابط مختصر
العدد 12163 الأربعاء 27 يوليو 2022 الموافق 28 ذو الحجة 1443

تصور أنك عزيزي القارئ أينما كنت، وجدت نفسك فجأة بأنه لا معاش تقاعدي لك، وأنك قد تجاوزت وبسرعة الزمن المذهلة سن الستين، تصور بأنك وقد أُصِبت بمرض عضال واكتشفت بعد فوات الأوان أنه لا تأمين صحي ينجيك، ولا دخل شهري يعينك، ولا حبيب ولا صديق ولا قريب يساندك.

تصور يا عزيزي بأنك تعمل صحافيًا، ولماذا تتصور، وهو الواقع للأسف الشديد، لدينا من الصحافيين من لم يتقاعد، بل ومن لم يتقاضَ راتبًا، ولا معاشًا شهريًا، ولا حقًا من أية حقوق تُذكر.

نعم.. حالات محدودة العدد تلك التي عملت في صحف أفلست، أو وورت الثرى، لكنها موجودة، نعم.. إنها حالات لا تستطيع التحدث بطلاقة أو شجاعة عن نفسها لكن مازال في فمها ماء.

من يحاسب من يا ترى؟ هل نحاسب أصحاب الصحف التي أفِلت ولم تشترك لصحافييها في نظام التقاعد؟ هل نحاسب الصحافيين لأنهم سكتوا دهرًا ولم ينطقوا حتى اللحظة؟ أم نحاسب النظام التقاعدي الذي لا يحاسب أصحاب الصحف الخاصة الذين غضوا الطرف نهائيًا عن حقوق موظفيهم لأن حظوظهم في الاستمرارية كانت ضعيفة، ولأن سيرتهم في عالم مهنة المتاعب لم تكن ممتدة؟

في جميع دول العالم ولديَّ من الأمثلة الكثير، هناك نقابات للصحافيين تُعيّن من يفقدوا وظائفهم في صحف على قيد الحياة أو أخرى فارقت الحياة، وهذه النقابات هي التي تتحمل ليس المعاشات التقاعدية فحسب، إنما أيضًا رواتب من يتم الاستغناء عنهم في الصحف لسبب أو لآخر.

في مملكة البحرين ورغم مرور أكثر من ربع قرن على تأسيس جمعية الصحافيين «الممثل الشرعي والوحيد» للمشتغلين في هذا البلاط الصعب، إلا أنها ونظرًا لعوامل عديدة ولظروف بعينها لم تمتلك القدرة على تأسيس نظام لدعم من يفقد وظيفته وينتمي للجمعية بحكم مهنته، ومازالت لا تمتلك لا الخطة ولا النية بأن تتحرك مع الجهات المختصة لكي تحفر رسالتها بماء الذهب وتبحث بجدية في كيفية تحقيق هذا الإنجاز التاريخي المستحق للصحافيين سيئو الحظ، والذين لم يعملوا في صحف لها من الاستمرارية أكثر مما كانت تحمله من بذور للفناء.

القضية مثارة، وحلولها ليست بالمستحيلة إذ أعداد ما نتحدث عنهم مازالت قليلة، وحيث مملكتنا الفتية تحرص على أن تكون الصحافة دائمًا في المقدمة، وأن حقوق الصحافيين لا بد أن تكون مصانة، وأن قادتنا يحفظهم الله يدركون أهمية الدور الذي تلعبه الصحافة في تنوير المجتمع، وتأكيد المنجزات، والمحافظة على المكتسبات.

قد لا يوجد تشريع يميز الصحافي عن دونه من أصحاب المهن، وقد لا يوجد نظام مبتكر يحل هذه المعضلة والبعض يتشدق بما نطلق عليه بالاقتصاد الحر الذي هو بريء تمامًا من تهمة إهدار الحقوق والتغاضي عن المستحقات.

المشكلة موجودة منذ أفلست صحيفة «الجلف ميرور» والميثاق وأسواق والوقت، ومنذ أغلقت الوسط وغيرها من الصحف الأسبوعية أبوابها إلى الأبد، ومنذ رحلت منصات إعلامية معتبرة عن عالمنا الذي لا يعترف إلا بقوانين الإزاحة، البقاء دائمًا فيها للأصلح والأكثر قدرة على المواكبة.

بعض صحافيينا يعانون مشكلة حتى الذين قادتهم محاسن الصدف إلى الحصول على وظائف بديلة في صحف أخرى غير التي غادروها، لكنهم لم يلتقطوا سوى سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من تقاعد «غير مكتمل»، وما زالوا يبحثون عن عشرات الآلاف لكي يشتروا المدة التي تؤهلهم لكي يحصلوا على الحد الأدنى من معاش تقاعدي يقيهم من غدر الزمان، والعوز، وشدة الاحتياج.

مشكلتنا أن أحدًا من القائمين على هذا القطاع المهم لم يقم بالإعلان صراحة عن تلك المشكلة، الجميع وللأسف الشديد يصورون الصحافي وكأنه تاجر بالقطعة، وكأنه حامل حقيبة دبلوماسية يبيع منها ما قد يتيسر من مقالات لدى كل «قاصد كريم».

لكن الكارثة أنه لا صحف تشتري، ولا منصات أو فضائيات ترغب، ولا مقالات أو حوارات أو تحقيقات صحافية يمكنها أن تُسيل لعاب ناشر أو تجذب انتباه صاحب ترخيص.

حاملو الحقائب الصحافية انتهى زمانهم ودفنت أيامهم، وماتوا وهم يشاهدون مهنتهم المقدسة وهي تبحث لنفسها عن مكان للحياة فلا تعثر عليه، أو عن تقدير قبل فوات الأوان لكن لا حياة لمن تنادي، و.. عن معاش تقاعدي يحفظ كرامة المهنة، لكن ما زال لدى البعض العديد من التحفظات التي جانبها الصواب. 

أعرف أن هذا الملف ثقيل، وأنه أمام الوزارة الجديدة لشؤون الإعلام ما هو أهم ربما من حقوق ضائعة لبعض الصحافيين، وأعرف أيضًا أن جمعية الصحافيين لا ناقة لها ولا جمل في ظل عدم وجود مورد تمويلي حقيقي يجعلها قادرة على تحقيق هذا المطلب الضخم لقطاع تمثله، وارتضت أن تتحمل مسؤوليته، وأعرف أنه لا أحد ربما لن يستمع إليها رغم أن أبواب قادتنا الحكماء مفتوحة لكل عابر سبيل، ولكل طالب عدل، ولكل منشد للحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها