النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

المدينة الفاضلة

رابط مختصر
العدد 12162 الثلاثاء 26 يوليو 2022 الموافق 27 ذو الحجة 1443

في هذا العالم الشاسع لا توجد بقعة يمكن أن تكون (المدينة الفاضلة) التي حلِمَ بها أفلاطون من غابر الأزمان؛ فالمدينة الفاضلة حلم جميل يدغدغ المشاعر، ويتجسَّد في (البلد الديموقراطي) التي وضع مقاييسها الأوروبيون والأمريكان رغم كل أخطاء الديمقراطية التي تعانيها مجتمعاتهم، ورغم تنصيبهم لأنفسهم كوكلاء عن شعوب منطقة الشرق الأوسط تحديدًا لتأسيس الديمقراطية وتحقيق شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير واستخدامها وسيلة من وسائل التدخّل في شؤونها الداخلية، والتي منها: 

أولًا: الغزو الأمريكي على العراق في (مارس 2003م) وإسقاط نظام صدام حسين بهدف التحضير لإنشاء نظام ديموقراطي يكون هو (أيقونة الديمقراطية في العالم العربي) ونموذجًا للمجتمع المثالي التعددي للدول العربية الأخرى، لتتحوّل أرض العراق إلى كتلة نارية تتلاعب بها الأيدي الإيرانية الإرهابية والجماعات المتشددة، وتصبح دولة طائفية استلمتها إيران على طبق من ذهب وبؤرة للعنف والإرهاب وأرضًا للصراعات ومصدرًا لتهديد الدول المجاورة. 

ثانيًا: بدعة المثليين المرفوضة من الديانات السماوية الثلاث والتي تستنكرها الفطرة الإنسانية السوية والعادات والتقاليد العامة في المجتمعات المختلفة، إلا أن الغرب يريدها أن يكون واقعًا مقبولًا وقائمًا بأي ثمن، وهو ما كان محور مقالي المنشور الأسبوع قبل الماضي. 

وعودٌ على بدء، فرغم أن (المدينة الفاضلة) هي حلم وخيال، إلا أنه ليس من المستحيل أن يتم السير نحوها خطوة خطوة، بتحقيق الإنجازات وبناء المجتمعات الفاعلة والمستقرة، ولنا في مملكة البحرين خير مثال على ذلك، حيث بدأت البحرين نحو ترسيخ أسس الديمقراطية منذ تولّي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظَّم مقاليد الحكم في (مارس 1999م)، وذلك بإطلاق المشروع الإصلاحي وميثاق العمل الوطني الذي هو عبارة عن خارطة طريق نحو التعددية والديمقراطية ومشروعًا وطنيًا جامعًا التفّت حوله كافة القوى والتيارات السياسية وقدَّم نمطًا في الحياة السياسية بتعزيز المشاركة في الحكم وتأكيد دور المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتمَّ التصويت عليه بنسبة مشاركة شعبية من مختلف الأطياف والتوجهات بلغت (98.4%) وبدأت الإجراءات التنفيذية لما جاء فيه فور التصديق عليه، لتتأسس عليه أهم مرتكزات الحكم الرشيد الذي تبلور في إطار رؤية شاملة لبناء دولة عصرية قائمة على مبادئ راسخة ومستقرة للعدالة والحرية والشفافية والتسامح والتعايش بين جميع الأديان والمذاهب، لتستكمل البحرين بإقرار ميثاق العمل الوطني تاريخًا وحضارة ومرحلة متقدمة ومستقرة نحو التحوّل الديموقراطي المتأنّي والهادئ. 

وبدأت البحرين بالخطوات التنفيذية لبناء جسور الثقة والتفاهم بإصدار جلالة الملك المعظَّم مرسوم إلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة في (18 فبراير 2001م)، والإفراج عن جميع المعتقلين من سجناء الرأي، حتى أصبحت سجون البحرين خالية تمامًا من أيّ معتقل سياسي، والسماح بعودة جميع المنفيين إلى البلاد دون قيد أو شرط للمشاركة الفعلية في إقامة دولة المؤسسات والقانون والعدل والمساواة، والسماح بإنشاء الجمعيات السياسية، وإجراء الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدت عام (2018م) صعودًا لافتًا ومهمًا للمرأة البحرينية بوصولها لقمة السلطة التشريعية وترؤوسها لمجلس النواب، وهو ما أكَّد تعزيز ركائز الديمقراطية ونمو المجتمع المدني. 

وجميع تلك الإجراءات تسير بسلاسة وثبات طوال السنوات الماضية، وستستمر مستقبلًا بفضل حكمة القيادة الرشيدة التي تركّز اهتمامها على الواقع الجديد للحقوق المدنيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من خلال برامج ومشاريع استراتيجية ضخمة ومتنوعة. 

أما على المستوى الدولي، فقد قامت البحرين بتبنّي المعايير التي وردت في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كتطوير الأنظمة السياسية والمؤسسات البرلمانية والانتخابات النيابية والبلدية ودعم التعدّدية وحرية الرأي والتعبير ورفض التمييز بكافة أشكاله والتحقيق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان وإطلاق سراح سجناء الرأي وعقد المحاكمات العادلة، وغيرها. 

وفي ضوء ذلك شهدت البحرين استقرارًا ديمقراطيًا وسياسيًا قائمًا على أسس ثابتة لبنية تشريعية متميزة ومتكاملة، رغم بعض الدعوات التي قامت بها مجموعات مرتبطة بأجندات خارجية ومدعومة من إيران بهدف التشويش وزعزعة ثقة الشعب في العملية الديمقراطية التي تسير في طريقها بقوة نحو التمكين السياسي وفق مبادئ الشفافية والعدالة وعدم التمييز. 

إن الرؤية الثاقبة والمتقدِّمة لجلالة الملك المعظَّم قائمة على الدفع بالبلاد نحو آفاق الديمقراطية المتنامية التي لا تبلغها الشعوب إلا بنهج التطور المتدرِّج وإثراء التجربة خطوة بعد أخرى وإرساء تقاليد العمل الديموقراطي المتجدِّد على مختلف الأصعدة؛ فإرادة الملك حفظه الله في تعزيز المشاركة الشعبية في الحكم وما قام به من خطوات إصلاحية عمليّة شَهِدَ لها القاصي والداني جاءت تأكيدًا لنهج المشاركة الذي بدأ قبل ثلاثمائة عام والنهج الديموقراطي الذي عُرفت به البحرين منذ انتخابات المجالس البلدية في عشرينيات القرن الماضي واستكمله جلالته بخطوات إصلاحية جبَّارة اتَّخذت من (الحوار البنَّاء والتحديث المستمر والعدالة وسيادة القانون والمساواة والمشاركة الشعبية في صنع القرار) أسسًا لبناء دولة المؤسسات والقانون على مراحل متأنّية لضمان الاستمرارية والنجاح، ولا شك أن تلك الأسس هي قواعد المدينة الفاضلة التي حلم بها الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد! 

 

* المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها