النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قمة جـــــدّة

رابط مختصر
العدد 12160 الأحد 24 يوليو 2022 الموافق 25 ذو الحجة 1443

 قبل أن تعقد قمة جدة للأمن والتنمية كان السؤال لدى أصحاب نظرية المؤامرة لبعض من المتحاملين على كل مسعى خليجي يعزز أمن منطقة الخليج العربي واستقرارها «هل هي قمة لإلحاق دول مجلس التعاون وكل من مصر والأردن والعراق بالمخطط الأمريكي في خلق المحاور والأحلاف التي تخدم المصالح الأمريكية فحسب؟». هذا السؤال أفرط في طرحه هؤلاء لتشويه غايات الدول العربية المساهمة في هذه القمة. وفي ظني أن ما كان يشجعهم على ذلك هو إعلام الديمقراطيين الذي صور بايدن على أنه المنقذ الذي سيأتي بالمن والسلوى لإخراج أمريكا من وضعها الاقتصادي البائس في أعقاب مغامرة إشعال نيران الحرب الروسية الأوكرانية غير المحسوبة العواقب. 

 وثمة تصور ملحق بهذا السؤال رَبَطَ بين أحداث الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا وما يتعلق بها من عقوبات اقتصادية شديدة فرضتها أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي على روسيا ليخلص أصحاب هذا التصور إلى أن الرئيس الأمريكي قادم إلى المؤتمر بأجندة فرض أوامر إلى المؤتمرين يعود بعدها أدراجه ظافرًا غانمًا مفكرًا في الآتي ليضع خططه الجديدة والبديلة وفقًا لما أمر به. لكن تبيّن أن الأمر لم يكن ليجري على هذا النحو الذي رسمه أصحاب نظرية المؤامرة وأولئك المتحاملون؛ إذ خاب ظن أصحاب نظرية المؤامرة وأساؤوا التقدير في فهم المتغيرات والمستجدات التي صاغت سياسات أصحاب الجلالة والفخامة والسمو المشاركين في القمة ومواقفهم التي تنطلق من فهم واقعي لمصالح بلدانهم الإستراتيجية، ومن تغليب مصالح دولهم على كل المصالح.

 أصحاب الجلالة والفخامة والسمو حضروا القمة وكل منهم كان يحمل هموم بلده في كف وقضايا أمته في الكف الآخر، وقد أفاضوا في التعبير عنها بكلمات سمعتها شعوب العالم وقدّرت المخاوف والهواجس التي حملتها كلماتهم، وكان الضيف الأمريكي يصغي إليها باهتمام بالغ، وقد فهم من كلماتهم أنهم جاؤوا ليتحاوروا لا ليستمعوا وليناقشوا ولا لينفذوا! الرئيس الأمريكي جو بايدن بوصف بلاده حليفًا استراتيجيًا للدول التي حضرت القمة أنصت باهتمام للكلمات التي ألقيت في القمة، واستمع إلى التحديات الكثيرة إن على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي أو الثقافي القيمي التي تواجه شعوب الدول التي حضر ملوكها ورؤساؤها أو تلك التي لم يحضر ممثل رسمي عنها ولكنها وجدت في شقيقاتها خير معبر عنها وأصدق حامل هواجسها وتطلعاتها ورغباتها في بناء عالم أفضل؛ فالقضايا العربية متصلة بعضها ببعض وتشكل هما واحدا. 

 أظهر الزعماء الخليجيون والعرب في كلماتهم عزمًا على مواجهة هذه التحديّات بالمسؤولية التي تقتضيها الحالة، وأسمعوا أمريكا ودول العالم استعدادًا على المضي في جعل منطقة الخليج العربي فضاءً آمنًا لمرور الطاقة إلى دول العالم على أن تتحمل القوى الكبرى، وخصوصا الحليف الأمريكي، مسؤوليتها بالمشاركة في ضمان أمن المنطقة. وضمن هذا الإطار أرسلوا دعوة إلى إيران لتنضم إلى جهود هذه الدول لتكون جزءا من هذا الفضاء الآمن ولتتحمل قسطها من المسؤولية بالمساهمة في ذلك. لم يكن الموقف من إيران على نغمة واحدة في حديث الدول؛ ففي الوقت الذي استخدمت فيه الولايات المتحدة لغة التهديد والوعيد، فإن الدول العربية التي حضرت القمة كانت تدعو، بل وتتمنى أن تكون إيران جزءًا في الجهد الدولي لجعل منطقة الخليج آمنة، ولعل في هذا وحده بيانا للفرق الشاسع بين من تربوا على ثقافة السلام والتعايش ومن نشأ على ثقافة الحرب والقوة والإقصاء.

 من الطبيعي أن تكون للرئيس جو بايدن أهداف عليه تحقيقها من هذه الزيارة التي تعد تاريخية في ضوء ما كان يطلقه من اتهامات على السعودية منذ حملته الانتخابية وبعدها، وإلى الآن لا تشير المعطيات إلى أنه حقق الكثير منها. انتهت الزيارة التي أراد منها أصحاب الجلالة والفخامة والسمو توضيح جملة التحديات، وإيصال حقيقة أن العالم على شفا الانتقال من القطبية الواحدة، إلى فضاء ثنائي القطبية أو متعددها، وأن لهذا الوضع آثاره في نسج العلاقات الدولية. وإذا ما كانت الولايات المتحدة هي فعلاً الحليف الاستراتيجي للدول التي حضر ملوكها ورؤساؤها القمة، فإن الواجب يقتضي التصدي مع هذه الدول لمواجهة هذه التحديات. وفي تصوري أن كل الكلمات التي سمعها الرئيس الأمريكي جو بايدن تذكره بهذه الحقيقة، خصوصًا أنه ومسؤولين في إدارته قالوا عن هذه الزيارة إنها تأتي لتصحيح أخطاء أمريكية نتيجة خطأ الانسحاب من الشرق الأوسط، وتعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية.

 قمة جدّة محطة تاريخية مهمة في مسار كل الدول المشاركة فيها وفي مصير عدد من الدول التي لم تشارك ولكنها مع ذلك كانت محورًا من محاور الحديث، وأعتقد أن لهذه القمة من الآثار الإيجابية ما سيجعل العمل على ضمان عالم أكثر استقرارًا يسير بإيقاع أكثر ثباتًا بعيدًا عن المناحات الإيديولوجية والشعارات الكاذبة والأحقاد الشخصية والمصالح الذاتية الضيقة التي قادت منذ عشر سنوات إلى ما لا يُحمد عقباه في مشارق الأرض ومغاربها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها