النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الرواج للمثليين مشروع أيديولوجي جديد

رابط مختصر
العدد 12157 الخميس 21 يوليو 2022 الموافق 22 ذو الحجة 1443

هذا الكائن البيولوجي القادر على التفكير والإبداع والابتكار والإنتاج، الذي سمى نفسه الانسان، وسمى بقية الأشياء حوله، من طبيعة حية وصامتة ونباتية، بأسماء على هواه، وهو الكائن المفكر الذكي الوحيد في كامل المجموعة الشمسية، أثبت على نفسه بنفسه أنه كائن عبثي مسكين، وأن ذكاءه بمعيار العطاء أدنى من الغباء.. وهذا الغباء هو نتيجة العبثية التي تولدت من الذكاء، وأضحت العبثية توجه الذكاء. دأب هذا الذكاء، منذ أن وعى ذاته الذكية، على مقارعة الطبيعة والعبث بقوانينها، والنتيجة الملموسة التي تئن من وطأتها الطبيعة هي جراحات البيئة التي تزداد عمقًا وسعةً يومًا بعد يوم. تطاول الانسان على حرمات الطبيعة كانت محصورة في التربة، ومياه البحر والأنهار والآبار والعيون، والغابات وعالم النبات، والمكونات الثلجية في القطبين الشمالي والجنوبي، وقد امتد هذا التطاول ليمزق الغلاف الجوي الذي يحمي الحيوان والنبات على كامل الكرة الأرضية، أي أن الانسان يحفر قبره بنفسه. 

لم يكتفِ الانسان بهذا القدر المدمر من العبث بقوانين الطبيعة، بل وسوس العبث في جهازه الذكي كي يتطاول على العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل، ويشكل علاقة شاذة بموازاة العلاقة الطبيعية، ويفرض شرعية العبث والتهور على شرعية الطبيعة والاتزان، أي الانتقال من النمو والاستمرار الى الضمور والانحسار.. الطبيعة تبني بتأني، والانسان يدمر في لمح البصر. 

إن الذي أوعز الى عبثية الذكاء هذا المنحى من التعدي المفرط على العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل هو حالة غير اعتيادية لازمت الانسان منذ الوف السنين، وهذه الحالة، الشاذة في ذاتها، أشبه بالنادرة بين جموع البشر، وكان أصحابها يخفون حالتهم عن عامة الناس من موقع الحياء والخفر وبعض من الخوف.. وعدد الحالات أقل من ان يكون له أي اعتبار قياسي او نسبي، وكان غالبية الناس يغضون الطرف عنها، ويوجدون مسافة بينهم وبين أصحاب هذه الحالات. قد يتفاجأ عامة الناس اذا عرفوا أن شخصيات مشهورة في عالم الفكر مثل الفيلسوف أفلاطون، وفي عالم الفن الموسيقي مثل تشايكوفسكي، وفي عالم السياسة ملوك وأباطرة مثل الاسكندر المقدوني، كانوا ضمن هذه الفئة الشاذة.. وكانت هذه الفئات تمارس علاقاتها الشاذه تحت أستار الحياء والخجل واحترام قيم المجتمع، وكأن الذي بينهم وبين المجتمع، الذي يعيشون فيه، أشبه بعقد اجتماعي غير مكتوب، بل مغلف ومركون في زواية الاستغفال واللا مبالاة.

لكن مع حركة الانسان على مسار الزمان وتغير الأحوال وظهور الأفكار وتناميها الى مفاهيم وعقائد وقوانين، تشكلت نظرة أخلاقية تجاه هذه الحالات الشاذة، وكانت الشرائع، وخاصة الدينية منها، قاسية في حكمها عليهم، وكان أقسى عقوبة هو الإعدام، على اعتبار الشذوذ الجنسي جريمة لا بد من قتل مرتكبيها. هذا الحكم الشرعي - الأخلاقي مثل نقلة نوعية من غض الطرف وإهمال الحالة إلى التربص وإمعان النظر والاهتمام وإصدار الأحكام، وتنفيذ العقوبات. 

الحالة معروفة وموجودة وستبقى مع الانسان مادام الانسان موجودًا، إلاّ أن إعطاءها قيمة مميزة أكبر بكثير من حجمها، وإخراجها من سياقها الخفي السابق الى دائرة العلن والجهر المفرط والشرعية، وزواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمراة، في دوائر قضائية وبشهود وشهادة زواج رسمية، وحفلات زواج ومدعوين وحتى عرض تلفزيوني وسينمائي وانتشار على كامل شبكات التواصل الاجتماعي، هذا هو النهج الشاذ الذي يطغى على جميع الحالات الشاذة. هذا النهج من تعظيم الحالة الشاذة، ووضعها في موازاة الحالة الطبيعية، وفرضه على كامل المجتمع وإعطائه بريق البراءة وإلباسه ثوب الأخلاق واعتباره من موجبات الحقوق، إن هي إلا جريمة كبرى ضد الانسان والانسانية، واغتصاب لمعاني الحقوق واستهتار بالفضيلة والأخلاق، والذين يعانون من الحالات الشاذة هم أنفسهم ضحايا هذا النهج العبثي، دون وعي منهم، مغررين في وسط مهرجانات الترويج وإباحة التقبيل والعناق بين الرجل والرجل، والمرأة والمرأة.. 

الإعلام مجند بشكل ترويجي لم يسبق له مثيل، وبأسلوب تحريضي، وبنفس استعلائي أمام العلاقة الطبيعية السائدة.. أين نضع قضية المرأة وحقوقها أمام هذه الهجمة التي ترفع سيوفها أياد شاذة ومنحرفة.. أين حقوق العمال والفلاحين، والأطفال الذين يزجون في أتون الأعمال الشاقة محرومين من الاستمتاع بحياة الطفولة واكتساب العلم والمعرفة في المدارس.. أين حقوق الشعوب أمام الطموحات الأنانية التي تعبث بجميع القيم الأخلاقية.. إشغال الشعوب بقضايا تافهة تبعدهم عن القضايا الجوهرية، وتفكيك أوصالهم حتى لا تكون لهم كلمة موحدة حول قضاياهم المصيرية والوجودية… 

موجة المثلية، التي يروج لها اليوم كي تنتشر كالنار في الهشيم، لا يمكن إلاّ أن تكون مدفوعة بقوى سياسية متنفذة عالميًا، وهي سياسة صرفة لا علاقة لها لا بحقوق ولا هي محصورة في إطار الخلل الجيني الذي تنسب اليه بعض النظريات الطبية السبب وراء الشذوذ الجنسي، ولكن الشواهد السلوكية في المجتمع والترويج الإعلامي غير المسبوق والتبني السياسي الفج والوقح تنبئ بأن وراء هذه الموجة الشاذة أمر جلل، مثل المؤامرات التي تحاك في مختبرات البيولوجيا والفيروسات.. 

الترويج للمثليين هو بمنزلة طفرة في بنية الجريمة ضد الانسانية وإغناء للمشروع الإجرامي سيئ الذكر «الفوضى الخلاقة»، وهو آخذ في التشكل الايديولوجي لياخذ مكانه بين الايديولوجيات في المجتمع، ويزيد طين الصراعات بلة غير مسبوقة.

من صراع سياسي الى تفكيك اجتماعي وخلق صراع ايديولوجي بين الناس في المجتمع الواحد، وهو أشبه بالتعدد العقائدي الذي ينتقل من ظاهرة طبيعية وهي التعدد الى ظاهرة مختلقة وهي الصراع، وكل صراع في المجتمع هو استثمار لفئة متسلطة على قاعدة «فرق تسد».. الفوضى الخلاقة هي أعلى مراحل «فرق تسد».. وهو الانتقال من تفكيك سياسي آني للمجتمع لتحقيق اهداف سياسية آنية محدودة، الى تفكيك ايديولوجي دائم للمجتمع وأشد حدة يمكن من خلاله تأمين الاستمرارية والديمومة لسلطة أباطرة هذا الزمان.. البشرية اليوم شاهدة على ولادة أيديولوجية جديدة تنخر في أعظم علاقة بين نصفي الانسان، وهي العلاقة الحميمة التي تجمع بين المرأة والرجل.. ديمومة الحياة مبنية على هذه العلاقة العظيمة.. أي مصير ينتظر الانسان تحت غيوم أيديولوجية عبثية تنخر في أُسِّ الحياة؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها