النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

الجد علي بن راشد بن حمدان في مختبر الصقور..

رابط مختصر
العدد 12155 الثلاثاء 19 يوليو 2022 الموافق 20 ذو الحجة 1443

إذا كان جدي لوالدي، علي بن أحمد بن حمدان، يعيش خالص غبطته وسعادته مع الحمام، ويستمد من رقتهم ووداعتهم أمنه وسلامه واطمئنانه الذين انعكسوا بوضوح وجلاء على طباعه الشخصية وفي سلوكه اليومي، فإن جدي لوالدتي، علي بن راشد بن حمدان رحمة الله عليه، ابن عم جدي لوالدي، يجد متعته وسعادته في الصقور التي تعيش معه في بيته الكبير المجاور للديوان الأميري آنذاك، وأعني بها صقور حاكم البحرين الأسبق المغفور له بإذن الله الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، ومن بعده نجله المغفور له بإذن الله الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، فهي عشقه الأول والأخير، وهي عزيزة على نفسه ربما أكثر من أقرب أبنائه إليه، وهو من شدة ولعه وعشقه لهذه الصقور، أوشكت شخصيته أن تتماهى طبعا وسلوكا وحتى شكلا معها، فالجد علي يتمتع بعين عسلية دقيقة وحادة، وأنف معقوف كمنقار الصقر في شكله وفي صلابته، كما أن حركة رأسه المتيقظة والسريعة والمباغتة أحيانا كحركة رأس الصقر، تشي بمدى علاقته اللحظية واليومية بهذه الصقور، وقد تمكنت من ملاحظة هذه العلاقة بين الجد علي وصقوره عن كثب، كونه عاش عمرا أطول من عمر جدي لوالدي أحمد بن علي بن حمدان.

وقد أفرد أو خصص الجد علي لهذه الصقور، مجلسًا كبيرًا خارج البيت، وهو أكبر من كل غرف هذا البيت الذي يضم أبناءه بزوجاتهم وأبنائهم، هذا المجلس هو مضيف الصقور ومختبر تدريبهم وتربيتهم واكتشاف الموهوبين منهم للصيد السريع والمباغت في مواسم القنص، وللتحليق بأجنحة قوية ترعب وترهب فرائسها لحظة الاقتراب منها أو الإحساس باقتراب ظلها من موقع تحليقها، كما أن هذا المجلس المختبر، يضم مختلف شخصيات الصقور، من الشواهين والحر والوكري والجرناس والجير، بجانب اكسسواراتهم من براقع وأوكار وما شابه، هو مختبر له هيبته الخاصة، ولا يمكن اقتحامه إلا بجوار الجد علي، ودونه لا يمكن ذلك، بل ربما ينتابك نوع من الهلع لو فكرت أن تقترب منه دون إذن أو وجود الجد علي، فالصقور بالنسبة له، كما يبدو من خلال علاقته بها، تعادل في قيمتها ومنزلتها قيمة ومنزلة أقرب الناس إلى قلبه. 

ولأنها في مكانة هذه القيمة وهذه المنزلة بالنسبة إليه، فإنه لا يرتاح أو يطمئن له بال، قبل أن يعاينها ويتفحصها مليا وبدقة، قبل أن يسلم رأسه للنوم مساء، وهو إذ ينام، كما لو أنه يتوسد وكر صقر حر.

 ومن عادات الجد علي رحمة الله عليه، أنه حين يكون مع الصقور في مختبرهم ببيته، يتحرر من أزيائه الرسمية، الثوب والغترة والعقال والبشت، ويظل بإزاره وقميصه الأبيض القطني (الفانيله) ذا النصف كُم، وكما لو أنه يجد ضالته بينهم بتحرر ساعديه من الثوب، بوصفهما جناحي صقر، لا يجدان حريتهما إلا بالتحرر من أعباء هذا الثوب، ولا يلجأ إلى هذا الزي الرسمي إلا إذا اضطره الأمر للتباهي بهذه الصقور وهي تستعرض هيبتها على رسغه في بعض المناسبات، أو حين تصبح جاهزة لمواسم القنص والانقضاض على الطرائد بقوة وثقة، فهي بمثابة كتيبة الهجوم الجوي في هذه المواسم التي يقوم الجد علي بإعدادها وتدريبها وتهيئتها جيدا لمثل هذه المهمات. 

وإذا كان الجد علي بن أحمد بن حمدان، عاشق الحمام، هاديء رقيق الحوار والمعاملة مع حمائمه، فإن ابن عمه الجد علي بن راشد بن حمدان بالرغم من هدوئه إلا أنه مغمور بطباع الكواسر أثناء محاورته لصقوره، فهو يريدها قوية يقظة لا تهزم ولا تنثني أو تنحني للريح، لذلك يتفحصها ريشة ريشة، ويراقبها من أعلى ريشة نافرة في الرأس حتى أسفل جلدة متصلبة في المخالب، ويتركز حواره معها كما لاحظت من خلال مشاخصة عيناه لعيونها، وكما لو أنه يعرف من خلالها، حلجتها ورغباتها، وضعفها وقوتها، مرضها وانكسارها، وإذا كان الحمام سريع الاستجابة لنداء عاشقه، فإن الصقور صعبة المنال وعصية الاستجابة بسهولة مع عاشقها ومروضها، ويحتاج هذا العاشق إلى عين حادة ثاقبة الرؤية ترى أبعد الأشياء في المسافات، كي يكون أهلاً لتربيتها ومصادقتها، وأزعم أن الجد علي بن راشد واحدا من هؤلاء الذين حظيوا بمثل هذه الصفات الصعبة. 

إن مختبر الجد علي للصقور، يتركز على مكامن الصعوبة والعصي في هذه الصقور، وحين يتمكن من الإمساك بها والتعرف عليها عن كثب، يطلقها في فضاء مسرحه الحر وهو واثق كل الثقة بأن هذه الصقور ستؤدي دورها جيدا في المهمة التي أنيطت لها، وكان مختبر هذا الفضاء، في الساحة الخارجية بين بيته ومسجد الرفاع الغربي، مساء بشكل أكثر تحديدا، حيث يطلق الحمامة أولا، ومن ثم الصقر الذي ينطلق نحوها بإشارة (صقرية) تخرج بقوة من صدر الجد علي وهي: (هووووش)، لنرى هذا الصقر وهو يحلق فوقها وحولها وكما لو أنه يجري حوارًا يهز عزيمة طريدته قبل أن ينقض عليها ويشبع رغبته فيها، وما أن ينقض عليها، حتى أرى الابتسامة تعلو وتكسو كامل وجه، بل (جسد) الجد علي الذي يعود بعدها بصقره إلى مضيفه ومختبره، وهو مطمئن على أن هذه الصقور باتت اليوم أكثر من أي يوم مضى قادرة على فهم واستيعاب أدوارها جيدا وتأديتها في الفضاء المخصص لها.

إنه مختبر الصقور الصعب، الذي أسمع فيه وللمرة الأولى ومن خلال الجد علي، بأن الصقور تصاب بالصرع، كالبشر تماما، وذلك حين أجزعني ذات صباح ستيني وأنا بجواره طفلا، أحد الصقور وهو يتلفت بسرعة ويلف عنقه بطريقة غريبة، ثم يسقط على ظهره، فيتلوى، وجدي بجانبه يحاول معالجته وفهم أسباب إصابته بالصرع، متأملاً الصقور التي بجواره، خشية أن تُستفز أو تضجر، فالصقور لا تخاف كي تهلع، إنه مختبر الصقور، حيث يحتاج المدرب فيه إلى طاقة تجمع بين لغة الكواسر والبشر معا، لذا أذهلني ما تعرفت عليه طفلا من خلال لغة الجد علي في مختبر الصقور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها