النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

بعد سبات طويل تستيقظ أوروبا أمام خيار جديد

رابط مختصر
العدد 12150 الخميس 14 يوليو 2022 الموافق 15 ذو الحجة 1443

  • اوروبا لها دور محوري على الساحة الدولية رغم الريادة الامريكية

 

فوكوياما مؤلف كتاب «نهاية التاريخ» عندما استنتج، نتيجة لرؤيته عديمة البصيرة، أن التاريخ قد مات، فقد تَقَوَّلَ على التاريخ بفقه متعالٍ يتجاهل الحراك الدائم للواقع البشري، وسلطة فكرية خاوية؛ لأن التاريخ حي لا يموت، ولأن التاريخ حي ما دام الجنس البشري حي يتنفس ويتكاثر ويتطور ويتغير... هذه العقيدة الخاوية بنهاية التاريخ لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج حدث تاريخي يتمثل أساسًا في انتهاء العهد السوفييتي من خارطة السياسة الدولية، مما أوهم سادة السياسة الغربية والنخبة المثقفة التي تدور في فلكها بأن مصير العالم، بجغرافيته وشعوبه، صار بالمطلق تحت إرادة وإدارة كتلة التحالف الغربي بقيادة أمريكا؛ بمعنى أن هذه الكتلة الغربية معصومة من معادلة الدورة الحياتية، التي تبدأ بالولادة وتصل إلى الذروة ومن ثم يبدأ العد التنازلي إلى لحظة الوفاة مثل بقية الامبراطوريات والتكتلات. تحت ظلمة هذه العقيدة كان يتخبط الغرب بثقة مفرطة، وكان يتخطى الحدود القانونية وحتى الأخلاقية لخطوط سيادة الدول دون أي اعتبار لأمن وسلامة تلك الدول... وجاءت لحظة التخبط التي أبلغت السيل الزبى وصار التحملُ عبئًا يمسُّ سيادة الدولة وأمن شعبها، عندما تمادت أمريكا بتكديس آلتها العسكرية على الحدود الروسية مباشرة، وهي رسالة بأن الدور قد أتى على هذه الدولة النووية، وهي من بقايا الماضي السوفيتي، أن تركع لإرادة الغرب وتخنع تحت إدارتها... فكان هذا التخبّط هو ذروة الوهم الغربي، إذ أن روسيا كانت قد هيّأت نفسها لهذه اللحظة الحرجة التي تفصل بين أن تكون أو لا تكون، بين السيادة أو الخنوع. روسيا تصدّت لهذا الوهم الغربي بمعادلة عسكرية واقتصادية موزونة ومدروسة، لحماية حدودها وسيادتها وفتح عيون الغرب على تخبطه تحت ظلمة الوهم، فكانت العمليات العسكرية على حدودها في أوكرانيا.

الدور الروسي في حماية حدوده ضد اختراقات الناتو عبر عمليات عسكرية محدودة ومدروسة في أوكرانيا، وإجراءات اقتصادية وترتيبات مالية تصد هجمة العقوبات الغربية، يمثل منعطفًا تاريخيًا في العلاقات الدولية، وخاصة ما له علاقة بالقطبية الدولية وطبيعة التحالفات، عسكرية وسياسية واقتصادية، وكذلك اجتماعية وثقافية.

أوروبا لها دور محوري على الساحة الدولية رغم الريادة الأمريكية، وقد جزأتها السياسة إلى شرقية وغربية، ولكنها كتلة جغرافية متراصة، ما يصيب دولة منها في الملمّات يصيب الدول المجاورة، وهذا التجاور يفرض نفسه لإيجاد صيغ من التعاون خاصة في ظل موازين قوى متقاربة وهواجس آنية ومستقبلية مشتركة، بغض النظر عن طبيعة التحالفات القائمة (تحالف غرب أوروبا مع الولايات المتحدة الأمريكية).

من أقوى التحالفات في التاريخ هو التحالف الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية بين أوروبا الغربية وأمريكا تحت مظلة عسكرية جبارة متجددة تعرف بـ(الناتو). هذا التحالف ذو طابع يمزجُ بين التعاون والاستغلال، ظاهره تعاون وتآزر، ولكن الرؤية بعيدة المدى للجانب الأقوى والبعيد جغرافيًا، وهي أمريكا، تُغَلِّبُ الاستغلال المبطن على التعاون الظاهر، وهذه الازدواجية بين التعاون والاستغلال ليست خافية على قيادات وشعوب دول أوروبا الغربية.

ساحة أوكرانيا الساخنة امتدت حرارتها إلى كامل أوروبا، شرقها وغربها، وأيقظت هواجس أوروبا بعد سُبات طويل ولكنه لم يكن سباتًا عميقًا؛ لأن الوعي الأوروبي كان حاضرًا في تشخيص حقيقة العلاقة بين أوروبا الغربية وأمريكا، الرؤية المختلفة لكل منهما على المدى البعيد. استيقظت أوروبا أمام خيار تاريخي جديد، وهو الخيار بين مصير أوروبي مشترك يجمع شرقه بغربه، أو الإبقاء على التحالف الغربي الذي يتنكر للجار الشرقي، بل ويعاديه. إن منطق الأشياء يشير إلى أن تحوّلًا تاريخيًا يلوح في أفق العلاقة المزدوجة، أوروبية - أوروبية و أوروبية - أمريكية، وأن ميزان الخيار يميل إلى وحدة أوروبية، شرقية وغربية.

التعاون الروسي - الأوروبي ضمن أوروبا موحدة تفرضه الجغرافيا، وكذلك الاستغلال الأمريكي لأوروبا تفرضه الجغرافيا. إذ كلما بعدت المسافة بين نقطتين كلما كانت نسبة الاستغلال أقوى والتعاون أضعف، والعكس صحيح إذا قربت المسافة بين النقطتين، إذ تميل كفة التعاون على كفة الاستغلال؛ لميزان القوة كذلك دور شبيه بالجغرافيا، فكلما كان ميزان القوة متقاربًا كلما كان التعاون، مع بعض من المنافسة، أقوى، ومع تباعد نسبة القوة، وبالرغم من الجغرافيا، فإن الميل إلى الاستغلال يكون أقوى... الجغرافيا وميزان القوة يتداخلان في علاقة جدلية بين التعاون والاستغلال بين الدول.

التطورات التي صاحبت الدور الروسي في اوكرانيا أحدثت تصدّعًا محسوسًا في عدد من دول أوروبا الغربية. بريطانيا وهي الحليف الأقوى لأمريكا ابتدأ فيها التصدع بالاستقالات الجماعيه في حكومة بوريس جونسون، ومن ثم اضطرار جونسون الى الاستقالة. موجة الاستقالات وتنحي رئيس الوزراء عن رئاسة الحكومة وعن زعامة حزب المحافظين أثار مخاوف في بريطانيا خاصة وأوروبا عامة، وكذلك أستراليا التي هي امتداد لبريطانيا. لأول مرة في تاريخ الاستقالات في بريطانيا يثير المخاوف في أستراليا، مما دعا رئيس الوزراء الاسترالي التعبير عن مخاوفه على العلاقات بين البلدين، وختم رئيس الوزراء الاسترالي مخاوفه قائلًا: «من الأهمية أن يستمر ذلك بطريقة سلسة، وأنا متأكد من ذلك لأن الدولتين متقاربتان جدًا». هذا الكلام الأسترالي يعبّر عن مخاوف لم تكن في الحسبان، وهي مخاوف تثيرها الشكوك حول قدرة التحالف الغربي على الاستمرار. أما الجانب البريطاني نفسه، فقد عبّرت عن مخاوفها السيدة تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية السابقة عندما قالت: «أعتقد أن الشيء الرئيسي الذي يجب أن يفعله رئيس الوزراء هو القضاء على الانقسام في البلاد، وفي حزب المحافظين»، مضيفة بقولها: «أخشى أن ما حدث في السنوات الأخيرة هو ما رأيناه من انقسام بين الناس، وأعتقد أننا بحاجة لرئيس وزراء سيعمل على توحيد البلاد وإصلاح الانقسام». رئيس الوزراء الأسترالي ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة يتملكهما هاجس مشترك، وهو مصير التحالف الغربي القائم. يمكن تحسس نفس الهاجس في بقية دول اوروبا، ولكن بمؤشرات مختلفة، وأوروبا هي الطرف الحاسم في أية تحولات نوعية وخيارات بديلة، بينما أمريكا قد ترى نفسها في وضع حرج يقتضي خطوات عملية تحفظ كرامتها أو على الأقل ماء وجهها بقبول توازنات عالمية جديدة.

التطورات الأخيرة والتي تسبب بها التحالف الغربي واضطرت روسيا الى اشعال فتيلها قد أحدثت تصدعات في أوروبا الغربية وبلبلة في أمريكا وترقب في بقية دول العالم... هذه التطورات تشير بوضوح إلى أن العالم مقبل على عهد جديد، أو منعطف حرج خطير، ولا يمكن التكهن بطبيعة العهد الجديد، ولا بنتيجة المنعطف الحرج الخطير!!!

إن الذي يجري اليوم على الساحة الأوروبية، بتداعياته العالمية وأبعاده التاريخية، يؤكد على أن التاريخ لم ولن يموت، وأن نظرية، أو أمل، فوكوياما بنهاية التاريخ ليس سوى هرطقة أقرب الى أحلام اليقظة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها