النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12234 الخميس 6 أكتوبر 2022 الموافق 10 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:13AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:48PM
  • المغرب
    5:19PM
  • العشاء
    6:49PM

كتاب الايام

شيماء ونيرة والرجال

رابط مختصر
العدد 12149 الأربعاء 13 يوليو 2022 الموافق 14 ذو الحجة 1443

مازالت فواجع ذبح البنات في مصر تتصدر الأخبار، ومازالت مواقع التواصل تُواصل هوايتها في شد الحبل على آخره، بل وفي جذب رأس الأفعى من شعرها، ربما لم يتم العفو عن ذابح نيرة أشرف بـ«دية» أو تعويض لأهلها، 5 ملايين أو عشرة لا يهم، المهم أن هناك من هو مستعد لدفع المبلغ عن طيب خاطر إنقاذًا لرقبة محمد عادل.
ربما يجد في الأمور أمور، والإعلامية شيماء جمال التي دفنها زوجها المستشار بمجلس الدولة مازالت تحت «سواطير» المشرحة العمومية في القاهرة قبل نقلها لمثواها الأخير من مثواها المؤقت الذي شهد على واحدة من أبشع الجرائم التي تحوم الشكوك أنها تمت بدفن «الست» حية وبملابس الخروج.
في جرائم العنف التي يتم التسويق لأحداثها، واقتفاء آثار مرتكبيها نجد أن الرجل هو بطلها، والمرأة هي وصيفته، الرجل هو الفاعل والمرأة هي المفعول به، صحيح أن نساءً كُثر قتلهن رجالاً وأزواجًا، وصحيح أن المرأة لم تكن برتبة براءة الذئب ولم تخرج كالشعرة من العجين من هذه الجرائم، لكن طبيعة العلاقة بين الجنسين في بلادنا مازالت تحكمها محاذير، خفايا، وخبايا، وأسرار، مازالت نظرة الرجل للمرأة خالية من الخشوع، ومازالت نظرة المرأة للرجل مرتبطة بأقصر وسائل الوصول.
نيرة رفضت أو تخلت عن زميلها الولهان محمد عادل؛ لأنه لم يُرضِ طموحها، وشيماء جمال تزوّجت المستشار وقبلت بلقب «الزوجة الثانية»؛ لأن عيونها لم تغب عن ثروة ونفوذ الرجل.
في كلتا الحالتين القاتل لم يكن بريئًا، أو مظلومًا، والقتيلة لم تكن بريئة أو مظلومة، كلاهما مُدانان، وكلاهما على حق، كلاهما كانا ينشدان الحب والمال والنفوذ، وكلاهما كانا مستعدين لأن يضحيا بأي شيء من أجل أن يبلغا هدفيهما المنشود.
الجريمتان هزتا المجتمع العربي، أحاديث الناس، أحلامهما، القصص الأسطورية التي تحيط بالقاتل والمقتول، بالظالم والمظلوم، بأهالي كل طرف، وشعب كل محب، بأصدقاء القتلة، وصديقات الضحيتين، رغم ذلك مازالت أجهزة الإعلام تنقل ما تريد الأجهزة الرسمية أن تصل به إلى الناس، مازالت الأفكار التي تظلم المرأة وتنصف الرجل مهيمنة على فريق، ومازالت الآراء التي تبرر للرجل فعلته أو تمنح للمرأة حقها في الحياة والحرية والدفاع عن النفس مسيطرة على كتابات المحللين للفواجع الإنسانية.
لم يكن في الإمكان أسوأ مما رأيناه خلال الأسبوعين الماضيين، القصاص من محمد عادل جاء أسرع مما كان يتوقعه المجتمع المذهول، والقصاص من المستشار لم يكن أبطأ مما توقعناه جميعًا، هكذا يتم تصنيف القتلة والمجرمين، وهكذا ينظر بعض المهيمنين على المشهد متمترسين خلف شاشاتهم الوثيرة لينقلوا إلينا ما يزيد نسبة المشاهدة، والاسترزاق من دماء الضحايا، والعيش على جثامين تحللت، وأرواح صعدت إلى بارئها.
نيرة وشيماء جمال والرجال، هو آخر أفلام الرعب التي خرجت من قلب الشارع المصري لتنتصر على جميع الأفلام الهابطة التي وصلت مبكرًا إلى السينما المهيضة مع مطلع صيف 2022 الأسود، تذكرني الأحداث مع الفارق الكبير بفيلم هي والرجال أو الثلاثة يحبونها في ستينيات القرن الماضي، وتذكرني في أحداث الفيلمين كيف كان الفيلمان يؤكدان ذكورية الرجل، ويلغيان إنسانية البنت في مختلف مراحل رونقها، كيف باعوا على الناس فكرة المرأة الضحية، والرجل النادم على فعلته، هي في جميع الأحوال جرائم لم ترتقِ لمستوى الذبح غير الحلال في الماضي، لكنها تطورت لتصبح كذلك منذ أيام، جميعها جرائم، وجميعها يؤصل لفكرة القوامة والقوة، بينما لم نجد على أرصفة الأفكار المضادة سوى رتوش عن رجل قتلته حبيبته لأنه لم يفِ بوعد الزواج والعيش معها، أو عن زوجة فتكت بزوجها ومزقته إربًا لأنه تزوج عليها في غفلة منها.
جميعها جرائم بين متناقضين، ونقائص بين طرفين، وسجالات سوف تظل إلى أمد طويل تؤرق مخادعنا، وتفسد حياتنا، وتجعلنا أقل إيمانًا بأن القصاص العادل كان عادلاً، أو التغاضي المدبر كان ظالمًا، أو أن القاتل والمقتول صارا ضحيتين، وليكن ما يكون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها