النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12183 الثلاثاء 16 أغسطس 2022 الموافق 18 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

التشكيل الوزاري الجديد

رابط مختصر
العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443

الدولة كيان يرتكز على عدد من الأعمدة، اذا اختل عمود أو ضعف عمود فإن كيان الدولة يهتز، والأعمدة الأخرى تشعر بثقل الكيان عليها وتشعر بأنها أضعف من أن تتحمل الثقل المضاف، فلا بد حينها من إعادة الصلابة والقوة في العمود المختل حتى يمكن المحافظة على تماسك وصلابة كيان الدولة… الدولة هرم ضخم، وقاعدته المدفونة تحت الأرض أضخم من بنية الهرم فوق سطح الأرض، وإلاّ فإن الهرم آيل إلى الانهيار إنْ عاجلاً أو آجلاً، وهذه سُنَّةٌ من قوانين الطبيعة التي لا تفرق بين البناء الطبيعي والبناء الاجتماعي، فالإنسان محكوم بقوانين الطبيعة أكثر بكثير من قوانين الانسان نفسه… والحكمة عند التفكر في وضع قوانين تنظم علاقة الانسان بالإنسان الاسترشاد بقوانين الطبيعة، لأنها المعيار الأمثل، ذاك المعيار الذي يحافظ على كيان الطبيعة، وما كيان الدولة إلاّ جزء مستخلص من جزيء من كيان الطبيعة… الطبيعة هي الأم، ومن اعتلى فوق أمه فقد ظلم نفسه. من الأركان المهمة في الدولة، ذات الطابع الوظيفي بين الاستراتيجي و الخدماتي، هي كتلة الأعمدة التي تشكل المجموعة الوزارية للدولة… كل وزارة عمود قائم بذاته ولكنه في انسجام مع بقية الأعمدة من أجل المحافظة على كتلة الأعمدة قوية فاعلة و مؤثرة. هذه الكتلة الوزارية هي الأبرز في كيان الدولة لأنها هي التي تتحمل مسؤولية سلامة الدولة وتقدمها و رفاهيتها. بين حين وآخر يحدث تجديد للكتلة الوزارية، وهذا التجديد ليس بالضرورة أن تتغير فيه الوجوه، ولكنه لضرورات واقعية، من أمور مستجدة وقضايا لها علاقة بالأداء الوزاري السابق، وكل جديد يحمل في طياته مهمات جديدة تقتضي طاقات جديدة، ونهج تصحيحي على ضوء الأداء السابق… بمعنى موضوعي أدق، فإن أي تغيير وزاري هو خطوة نوعية الى الأمام، وليس التغيير من أجل التغيير. الكتلة الوزارية السابقة كانت لها رؤية، والكتلة الوزارية الجديدة لها رؤية من مكونات جديدة ومراجعات ودروس مستخلصة من مخرجات الرؤية السابقة.

في الكتلة الوزارية تبرز وزارتان لهما علاقة مباشرة ويومية بكل مواطن، وهما وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم، ولأن المواطنين كلهم لهم علاقة يومية محسوسة وملموسة بهاتين الوزارتين، فإن المواطن يكون في موقع الحَكَمِ على أداء الوزارتين، فلكل مواطن رأي فيهما سلبًا أو إيجابًا أو تفاوتًا بين السلبي والايجابي. من حسن حظ هاتين الوزارتين أن المسؤولين فيهما يحصلان على التقييم الفعلي والحقيقي لأدائهما على مدار الساعة، وهذا التقييم يمكن أن يكون له دور فاعل في تطوير الخدمات الصحية، وتطوير معايير و استراتيجية ومناهج وأساليب التعليم. المعروف عن مملكة البحرين في الوسط الخليجي خاصة وعلى مدى التاريخ أنها كانت منارة العلم والتعليم، وكثير من رجالات الدولة والأعيان في الدول الخليجية الأخرى قد تلقت تعليمها في البحرين، وهؤلاء يفتخرون أنهم من خريجي مدارس البحرين، ويمتد هذا الفخر إلى جميع شعوب الخليج، فالبحرين لها مكانة محسوسة، بإيجابية الفخر، في الوسط الخليجي. مكانة البحرين التعليمي يمتد إلى المكانة الثقافية، فلا عجب في ذلك، فقد أشاد ممثل الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة بثقافة شعب البحرين عند قبولها عضوًا في الأمم المتحدة. 

مكانة البحرين تمتد من فضاء العلم والتعليم الى فضاء الصحة والخدمات الصحية… منذ بدايات تأسيس الدولة والبحرين هي الرائدة في توفير الخدمات الصحية وبناء المستشفيات والتعاقد مع أطباء من الخارج وإرسال الطلبة إلى الجامعات لتلقي العلوم الطبية، وبعد ذلك تأسيس مراكز ومعاهد وطنية لإعداد كوادر طبية من الجنسين، فالبحرين كانت إلى ما قبل الثمانينيات من القرن الماضي تتمتع بكادر طبي يفيض على احتياجاتها، وكانت تساهم في دعم الخدمات الصحية في الدول الخليجية الأخرى. واليوم أمام جائحة كورونا تقف البحرين رائدة بين دول العالم قاطبة وبشهادة من أعلى هيئة صحية عالمية وهي منظمة الصحة العالمية والدول الكبرى. 

البحرين هي درة الخليج دون منازع، ليس فقط بدورها المميز، تاريخيًا، في مجالي التعليم والصحة، ولكن في مجال العلاقة بين الاقتصاد و المال، فالبحرين غنية اقتصاديًا بفضل مواردها الطبيعية و قدرات ومهارات أبنائها في الساحة الإنتاجية، وبالرغم من أن المال قد طغى على الاقتصاد في بعض المواقع و الساحات، إلاّ أن الثروة الطبيعية والإمكانات البشرية هي أساس الاقتصاد، والبحرين تنعم بالجناحين.

هذه الدرة الخليجية قد تراكم فوقها بعض الرماد بفعل طفرة مالية-نفطية لم تكن في الحسبان، مما أحدث بلبلة في المعايير والمفاهيم، وانفتحت الأبواب على وافدين من شتى البقاء وهذا بدوره أحدث تغييرات في المجتمع وفي مفاهيم الناس، خاصة وأن نسبة الوافدين زاحمت نسبة المواطنين، وكان لهذا دور سلبي نتحسسه إلى اليوم، ولكن ليست من قضية وإلاّ لها حل و حلول. 

مِن أكثر المتغيرات سلبية على درة الخليج هو تحول المعيار التعليمي من الدولة الى التعليم الخاص، أي من مسؤولية التعليم إلى استثمار التعليم، فإن الدولة تحمل مسؤولية التعليم لبناء الانسان، بينما التعليم الخاص، رغم بعض إيجابياته، ما هو سوى مراكز تجارية هدفها الأساس تحقيق الربح المالي، وعندما يدخل الربح التجاري ساحة التعليم فإن المال يطغى على مسؤولية التعليم، ومن هذه المعادلة نستخلص بأن الدولة هي الأساس في التعليم وهي التي عليها أن تكون مرجعية المعيار التعليمي، وأن يكون التعليم في المدارس الحكومية هو الأفضل مقارنة بالمدارس الخاصة، وأن يكون دور المدارس الخاصة هو ملء الفراغ. 

الحال نفسها بالنسبة للعلاقة والفرق بين قطاع الدولة والقطاع الخاص في مجال الخدمات الصحية والطب بشكل عام، ورغم أن الدولة مازالت تمسك بالمكانة العليا فيما يخص المعايير الصحية والطبية، إلا أن القطاع الخاص الذي يتاجر بالصحة مازال يمارس تجارته بحيث يطغى الربح المالي على المسؤولية الصحية، مما يقتضي من الدولة العمل على إيجاد توازن معقول ومقبول بين هدف الربح ومسؤولية الصحة. 

التغيير الوزاري الأخير منعطف تاريخي بالنسبة لمملكة البحرين، فقد جاء هذا التغيير في وقت تتلاطم فيه الدول الكبرى ويتأثر الاقتصاد سلبًا والوضع العالمي والإقليمي أمام تصورات وتكهنات ضبابية، وهذا يضيف على التشكيلة الوزارية مهمات غير مسبوقة، ولكن رغم كل هذه المسؤوليات الإضافية فأنها تملك بنواصي المبادرة والقدرة على العمل الجاد لإزالة الرماد عن درة الخليج حتى تتألق مملكة البحرين من جديد…

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها