النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12229 السبت 1 أكتوبر 2022 الموافق 5 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:12AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

التراث اللامادي.. الحيّة بيّة نموذجًا

رابط مختصر
العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443

 من أجمل العادات التي شدّتني في مملكة الأصالة والتاريخ، مملكة البحرين العريقة، ما يأتيه الأطفال من طقوس على ساحل البحر يوم عرفة.. الحيّة بيّة.. لوحة اجتماعية ثقافية يتوارثها الأبناء جيلاً بعد جيل، تقاوم كل أشكال الإغراء والإبعاد والتغريب التي يتعرّض لها أبناؤنا... لوحة اجتماعية أصيلة اندمج معها كل الأطفال في البحرين.. ولا أنسى ابْنَيَّ حين كانا صغيريْن ولهفتهما على مشاركة أصدقائهم هذا اليوم على ساحل المحرق...

وقد ظلّت هذه العادة صامدة مستمرّة، ولا تزال بفضل حرص الجميع عليها؛ فلا يمرّ موسم الحجّ، ولا يقف الحجّاج على عرفات إلّا وقد وقف الأطفال على امتداد سواحل البحرين وقد أمسكوا بسلّة الحيّة بية أو علّقوها في رقابهم، وتَحلّوْا بأجمل الثياب الشعبيّة، وتزيّنوا كأحلى ما يكون؛ فهذه الفتاة تلبس ثوب «البخنق» المطرز بخيط الزري الذهبي، وهذا الولد أو الصبيّ فيلبس «الثوب والسديري والقحفية»... 

ومصطلح «الحَيَّة بَيَة» أتى من عبارة «الحَجّي بِيِّيّ» أي سيأتي «الحاجّ» من الحج بعد أن يكمل مناسكه. و«الحية بية» عبارة عن حصيرة صغيرة الحجم أو سلة من «الخُوص» مصنوعة من سعف النخيل، ويتم زرعها بالحبوب مثل القمح والشعير، ويعلّقها الأطفال في منازلهم حتى تكبر وترتفع، ثم يلقونها في البحر يوم وقفة عرفة، ويدعون الله أن يجعل عيدهم سرورًا ويعيد حجاجهم من بيت الله الحرام سالمين ومحملين بالهدايا لهم.

ويكون الأطفال في هذا اليوم في أجمل حلّة حيث يتوجّهون مع أهاليهم قبل غروب الشمس إلى أقرب ساحل، ليُقَضّوا يومًا اجتماعيًا ممتعًا، فيحتفلون بملابسهم الجميلة وبجمال «الحية» المعلقة على رقابهم، ويردّدون: «حية بيه ويات حية على درب الحنينية...» حتى آخر الأنشودة، وفي بعض القرى يردد الأطفال: «ضحيتي ضحيتي حجى بي حجي بي إلى مكة إلى مكة زوري بي زوري بي واشربي من حوض زمزم زمزم...» حتى آخر الأنشودة. ثمّ يرمي الأطفال بسلة الحية بية في البحر بعد أن اعتنوا بها أسبوعين أو أكثر، وتعلّقوا بها فكأنّهم يضحّون بأعز ما لديهم من أجل عودة أهاليهم سالمين...

والحية بية جزء من التراث اللاماديّ في مملكة البحرين وبعض دول الخليج العربي، ولقد تصاعد الاهتمام عالميًا بمفهوم التراث اللامادي؛ إذْ جعلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «التراث اللامادي» موضوعًا للدورة الثانية للجائزة العربية الكبرى للتراث، كما عُقدت الملتقيات والندوات الفكرية وحملت عناوين «التراث الشفهي اللامادي: أيّ دور في التنمية المستدامة؟» وكذلك «التراث الثقافي اللامادي بين الأصالة وتحديات العولمة». 

ومن جهتها تحركت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وأحدثت إدارة للتراث تأكيدًا على المكانة التي يستحقها التراث بشقّيه المادي واللامادي. وكانت اليونسكو قد بدأت منذ العام 2003 جهودها في حماية تراث الإنسانية اللامادي وعيًا منها بضرورة حماية التنوع الثقافي في مواجهة العولمة، لكن ما المخاطر التي تهدد هذا التراث اللامادي؟

عرفت العلاقة الوطيدة التي تربط الإنسان بالتراث الثقافي المادي واللامادي نوعًا من الفتور خلال السنوات الأخيرة، ذلك أنّ نمطيّة العولمة تهدد التراث اللامادي بالاندثار؛ فالكثير من الصناعات التقليدية مثلاً مهددة بالتلاشي. ولا تعير فئات كثيرة من المجتمع أهمية لهذا التراث بسبب التطور التكنولوجي السريع، كما انخرط الأطفال والشباب في عصر العولمة ما خلق شرخًا في العلاقة بين الكبار من جهة والشباب والأطفال من جهة أخرى.

في حين تُعتبر مراقبة هذا الإرث الثقافي المتنوع والمحافظة عليه أحد أهمّ مبادئ التنمية المستدامة؛ ذلك أن التراث اللامادي هو «طاقة متجددة» تتطلّب تشجيع البحث والابتكار لحمايته. ولا يقتصر الأمر على حماية هذه المفردات والعناصر التراثية اللامادية، وإنما البحث في قابليتها للتحديث والعصرنة بعيدًا عن تثبيتها في مغلفات جامدة للفرجة وأخذ الصور التذكارية.

إنّ عملاً دؤوبًا ينتظر فرق المتخصصين عربيًا وعالميًا لجمع مختلف مظاهر التراث اللامادي وتصنيفه، ومن ثم استثمار الوسائل التكنولوجية الحديثة من أجل نشر هذا التراث والسعي إلى توظيفه في خدمة الأهداف التنموية.

والخطر الذي يتهدد التراث الثقافي اللاماديّ لا يُحمِّل المسؤولية إلى جهة معيّنة، وإنّما إلى مختلف شرائح المجتمع ومؤسساته الأهلية والحكومية ابتداء من المدرسة ومرورًا بالمؤسسات الخاصّة والعامة ذات الصلة، وكذلك الجامعات وانتهاء بالهيئات الثقافية. وقد يساهم إدخال التراث اللامادي في المناهج التربوية المدرسية والجامعية في حفظ التراث من الضياع والاندثار، وكذلك في تحديثه وعصرنته وفق منهج علمي وبحث معمّق ورؤية إبداعية خلاّقة تنتقل بنا من التراث إلى الذاكرة إلى المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها