النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12181 الأحد 14 أغسطس 2022 الموافق 16 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:45AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

ساحات الزفاف أول مسرح للعنف..

رابط مختصر
العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443

لم أكن يومًا أتوقع أن المشاجرات الطفلية التي تحدث يوميًا تقريبًا بعد نهاية كل يوم دراسي نقضيه بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين التي تتعرش الوادي بمحاذاة قلعة سلمان الفاتح ومدفعها التراثي القديم، وهي أقدم مدرسة في الرفاعين، الشرقي والغربي، لم أكن أتوقع أن تكون هذه المشاجرات البريئة، طقسًا أسبوعيًا يحرص أطفال وشباب الرفاع على حضوره والمشاركة فيه أحيانًا وتناقل كل ما يحدث فيه لمدة أسبوع تقريبًا، حتى يقبل أسبوع آخر ليصبح حدثًا جديدًا، وهكذا كل أسبوع.

هذا الطقس الذي يبدو أن مشاجراتنا الطفلية البريئة إذا ما قارناها به، كانت أشبه بالبروفات للأحداث العنيفة والدموية أحيانًا التي تجري كل أسبوع في ساحاته المتعددة في الرفاع، هذا الطقس، أصبح مرافقًا لكل ليلة زفاف تقام في أغلب ليالي الجُمَع، وهذا الطقس يتقصده أطفال وشباب الرفاع أينما أقيم في مختلف أحياء وساحات الرفاع المجاورة للبيوت التي تقام فيها ليالي الزفاف. 

وقد عرفت الرفاع الشرقي خاصة، باسم آخر مرادف لاسمها الأصلي، وهو ( تكساس )، الولاية الأمريكية المعروفة، والتي تعد أكبر ولايات أمريكا بعد ألاسكا، وقد أصبح هذا الاسم ملازمًا لها، نظرا لالتحاق أغلب سكانها للعمل في شركة بابكو، أكبر شركة نفط في البحرين، والتي أسهمت في إدارة نفطها منذ التأسيس، شركات أمريكية، بجانب التحاق بعضهم أيضا للعمل في شركات أمريكية أخرى، ويعتبر لحامو الرفاع الشرقي من أوائل اللحامين وأهمهم الذين تعتمد عليهم شركة بابكو خاصة في مهامها النفطية الصعبة، وهم أول من ساهم في تأسيس هذه المهنة في أرامكو ورأس تنورة والجبيل ورحيمة بالمملكة العربية السعودية.

ومن الأسباب الأخرى لإلحاق اسم تكساس بالرفاع، هو أن أكثر شبابها ورجالها يرتدون (الجينز) والقبعات الأمريكية المرقطة أو المنقطة، وأحذية (البوت)، كما أنهم أشهر من يمثل البحرين دوليًا في مباريات (الغولف) التي تعلموا فنونها من الأمريكان، إضافة إلى أنهم، وهذا هو الأهم في التسمية، تميزوا بالخشونة والصرامة ومواجهة الآخر بالعنف وكما لو أنهم من فصيلة أو قبائل الهنود الحمر، سكان تكساس الأصليين، الذين هم في مواجهة اعتراكية مستمرة مع الأمريكان البيض من ذوي الأصول الأوربية في أغلبهم، خاصة وأن بعضهم (تكساس الرفاع)، عانى وذاق الأمرين مع بعض المسؤولين الأمريكان، وخاصة من ذوي النزعة العنصرية، كما أن أكثر سكان الرفاع الشرقي يتقن اللغة الإنجليزية بنطقها الأمريكي، نظرًا لاختلاطهم وعملهم اليومي مع هؤلاء الأمريكان، وإن كان بعضهم لا يتقن أو يجيد كتابتها أو قراءتها. 

هذه الخصائص التي اكتسبوها من الأمريكان، ملأت دماءهم بالحرارة، وهيّأتهم لإشعال جمر هذا الطقس العنيف بأجسادهم الخشنة في كل مناسبة تقام فيها مثل هذه الأفراح.

في هذه الليلة، ليلة الزفاف، يحضر جمهور غفير من أبناء الرفاع، ويتجمعوا في الساحة المجاورة للبيت الذي يقام فيه حفل الزفاف، والكل ينتظر مثل هذا الحدث ليسلي عينه ومزاجه به، وما هي إلا ساعة تسبق نهاية الحفل، حتى يقبل أبطال الطقس من جهات مختلفة، أحيانًا لا تشعر فيه بحضورهم، إلا باشتعال هذه المعركة الجسدية العنيفة دون سابق إنذار، وتبدأ الفرجة، حيث لا يتدخل في الغالب أحد لفض المعركة خشية أن يلقى جزاءه بسبب هذا التدخل بينهم لفضها، وتصمت أحيانًا طبول الحفل لتفاجأ بأن أغلب النسوة والفتيات يتفرجن على هذه المعركة من زوايا أخرى في البيت أو من فوق سطح البيت، وليرتفع بالمقابل صوت العنف في الساحة. 

وكانت هذه المعركة يُمهد لها غالبًا، بتحريض أحد الأطفال أو الصبية على مشاغبة أحد المستهدفين لهذه المعركة، خاصة إذا كان هذا المستهدف له سوابق استفزاز لبعض أبطال المعركة، أو يبدو عليه أنه يتباهى بقوته أمام الحضور، وما إن يبدي هذا المستهدف ضجره من تصرف الطفل أو الصبي، كأن يدفعه أو يعنفه بصوته، حتى تشتعل المعركة بين أحد أو بعض أبطالها وهذا المستهدف، ليتدخل آخرون أيضا، وتصبح هذه المعركة التي تؤول بهم إلى مركز الشرطة بعد مواجهات عنيفة مع الشرطة نفسها، حديث كل أحياء الرفاع.

فهل ما شاهدَته طفولتي في ستينيات ذلك القرن، من معارك احتفت وعجت بها ساحات الرفاع، وبشكل يبدو منظمًا ومترقبًا حدوثه، يُعد شكلاً من أشكال مسرح العنف الواقعي الارتجالي في حينها؟ وهل يُعد اقتحام بعض قبضايات تكساس الرفاع ودون إذن، فضاءات بعض الاحتفالات التي تنظمها بعض الأندية، هل يعد تحديًا وانعكاسًا صارخًا وفاقعًا للأحداث التي تجري في ساحات العنف؟ وألا تعد مثل هذه الأحداث العنيفة المنظمة مفارقة درامية، للأفراح المسالمة السعيدة التي تحتضنها ليالي الزفاف في بيوت أحياء الرفاع؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها