النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12181 الأحد 14 أغسطس 2022 الموافق 16 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:45AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

وتبقى السعودية

رابط مختصر
العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443

زيارة قادمة للرئيس الأمريكي بايدن إلى المملكة العربية السعودية في منتصف هذا الشهر، سبقتها زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية في أواخر مايو الماضي، ويدور الحديث كذلك عن زيارة مرتقبة للرئيس الصيني.. فالكل يأتي هنا والسعودية ثابتة شامخة قوية، فهي قلب العروبة النابض وزعيمة العالم الإسلامي وعلى أعتابها تتساقط الأوراق كل الأوراق.. فما الذي يجري حولنا! 

تناقلت وسائل الإعلام أخبارًا حول اللقاء المرتقب للرئيس الأمريكي جو بايدن مع صاحب السمو الملكي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للمرة الأولى على هامش القمة الخليجية في العاصمة الرياض يشارك فيها الرئيس المصري والملك الأردني ورئيس الوزراء العراقي، وذلك بعد فترة طويلة من العلاقات الدبلوماسية السعودية الأمريكية الفاترة؛ ما يجعل في تلك الزيارة تحوّلاً في موقف الرئيس الأمريكي الذي وصف السعودية خلال حملته الانتخابية بأنها (دولة منبوذة وبلا قيم اجتماعية)!!! 

فعادةً ما تكون الاجتماعات بين القيادتين الأمريكية والسعودية أمرًا روتينيًا، إلا أن اللقاء في ظل هذه الظروف يعني الكثير، ويمثِّل تحوّلاً كبيرًا وقاسيًا في ظل تدهور العلاقات بينهما، ومن المتوقع أن يسبِّب بعض الجدل في الداخل الأمريكي للرئيس بايدن الذي كان أحد منتقدي سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان وحربها في اليمن ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، إلا أن ذلك لا يمكن أن يستمر في ظل الانتكاسات الأمريكية والأوضاع الجارية في أوكرانيا والعالم عمومًا؛ للأسباب التالية: 

أولاً: بالنسبة للرئيس بايدن، إن العودة إلى علاقات أفضل مع السعودية يعكس في بعض الأحيان الخيارات غير المريحة التي على القائد أن يتَّخذها عندما يواجه أزمة النفط وحقوق الإنسان وشبكة العلاقات في الشرق الأوسط، ويأتي التقارب مع السعودية - وهي أكبر دولة مصدِّرة للنفط الخام في العالم- في الوقت الذي تواصل فيه أسعار النفط الارتفاع في أمريكا. 

ثانيًا: بالنسبة للسعودية، إن عودة الدفء للعلاقات مع الإدارة الأمريكية الحالية يُعيد العلاقات بين الجانبين إلى مسارها التاريخي الدبلوماسي الصحيح الذي يحقق الأمن والاستقرار المطلوب في المنطقة والدور الأمريكي الإيجابي الرادع للنوايا والأطماع الإيرانية خاصة في اليمن ولبنان. 

فإدراك الإدارة الأمريكية بالمأزق الذي تمرُّ به سياستها في منطقة الخليج العربي التي تصوَّرت أن بإمكانها تمويل مخططاتها الخبيثة بالاعتماد على دولة صغيرة فقط بسبب ما لديها من بلايين الدولارات، أدى إلى التحوّل المفاجئ في السياسة الأمريكية مع المملكة العربية السعودية، فتحوَّلت السعودية إلى (المملكة الشجاعة في اليمن لجهودها في تمديد الهدنة في اليمن) كما ذكر بايدن في تصريحاته الأخيرة، في تناقض صارخ لتصريحاته في الأمس القريب التي قال فيها بأنه (سيجعل السعودية منبوذة وستدفع الثمن) وهو ما أكَّدته المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض كارين جان التي قالت بأن (تصريحات الرئيس جو بايدن التي تعهّد خلالها جعل السعودية منبوذة وتدفيعها الثمن لا تزال قائمة)، وذلك في معرض ردها على أحد الصحفيين الذي طلب تفسيرًا لزيارة بايدن للسعودية في سياق هذه التصريحات التي أثارت ضجة عالمية وانعكاسات على العلاقات التاريخية بين البلدين. 

فما الذي تغيَّر بين الأمس واليوم في العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي مضى عليها ما يقارب من التسعين عاماً والتي وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار من أجل قضية مقتل عدنان خاشقجي؟ وماذا سيقول بايدن أمام زعيم الأمة العربية والإسلامية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وأمام ولي عهده الذي رفض استقباله في البيت الأبيض تضامنًا مع جمال خاشقجي؟ إنها مسألة تتطلَّب من مخطّطي السياسة الأمريكية دفع الثمن قبل أن تطأ أقدامهم الرياض التي ستستقبلهم وفقما تقتضيه برتوكولات استقبال الرؤساء والزعماء. 

ولكن كيف تستعيد العلاقات السعودية الامريكية مسارها الطبيعي يرضي السعودية لتحقيق المصالح المشتركة بين البلدين خاصة في ظل الاوضاع التي يمر به العالم بسبب تداعيات الحرب الاوكرانية والملف النووي الايراني وتطورات الحرب في اليمن. أعتقد بأن هناك ثلاثة امور أساسية هي محور اهتمام المملكة العربية السعودية: 

الأول: موقف صريح من الحوثيين ووقف دعمهم، والعمل على انسحابهم من صنعاء، وتسليم الحكومة اليمنية المُعترف بها دولياُ، والتنسيق مع السعودية بفرض الحل المُتوافق عليه يمنيًا حسبما نصَّت عليه المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني. 

ثانيًا: موقف صريح وواضح من المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي، وفرض العقوبات الاقتصادية عليها حتى تخضع للقرارات الدولية وتتخلَّى نهائيًا عن برنامجها النووي وتدمير كل منشاتها النووية. 

ثالثًا: إطفاء نيران العنف والإرهاب ووقف تنفيذ خطط التغيير وعدم التنسيق مع بعض دول المنطقة والتآمر معها لإسقاط الأنظمة الخليجية القائمة كما حدث في الربيع العربي الذي مازالت آثاره قائمة في الدول العربية وما لحق بها من تدمير شامل لمجتمعاتها خاصة في العراق وسوريا ولبنان وغزة. 

إن نجاح السعودية في تحقيق تلك النقاط الثلاثة من خلال القنوات الدبلوماسية قبل زيارة بايدن، سيكون انتصارًا دبلوماسيًا بارزًا ومهمًا سيعيد العلاقات بين البلدين الى مسارها الصحيح وسينهى كل مخططات التغيير في الدول العربية وخاصة دول الخليج العربي وتنعم المنطقة العربية والخليجية وإيران بحالة من الأمن والاستقرار والبناء ورفع مستوى المعيشة في مجتمعاتها. 

وإذا عدنا الى ما ورد على موقع السفارة الأمريكية في الرياض حول العلاقات المستمرة والمستقرة على مدى تسعين عامًا بين والولايات المتحدة المملكة العربية السعودية، أعتقد أن الأمر يتطلَّب فعلاً إعادتها إلى مسارها السابق الصحيح من أجل استقرار الأمن والسلام في المنطقة؛ فليس منطقيًا أن تبني الولايات المتحدة ركائز سياستها بالاعتماد على دولة إرهابية مارقة كإيران ودولة صغيرة أخرى فقط بسبب ما تملكه من مليارات لتمويل خطط التغيير في المنطقة. 

إن ما ورد على موقع السفارة الأمريكية يؤكِّد ما تتمتَّع به المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية من علاقات قوية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتاريخ العريق، حيث تأسست عام (1933م) وتمَّ افتتاح السفارة الأمريكية في جدة عام (1944م)، ثم انتقلت إلى الرياض عام (1984م)، بالإضافة لوجود قنصلية في جدة والظهران، كما يجمع الولايات المتحدة والسعودية الحرص المشترك على الأمن الإقليمي وصادرات وواردات النفط والتنمية المستدامة، وتتمّ العديد من المشاورات الوثيقة بينهما تتعلَّق بالمصالح الدولية والاقتصادية وقضايا التنمية مثل شؤون الشرق الأوسط وعملية السلام المشتركة في منطقة الخليج، حيث تعتبر الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري للسعودية والسعودية أكبر سوق للصادرات الأمريكية في الشرق الأوسط. 

إذن، فنحن أمام تاريخ طويل يستحق المراجعة لا إن تؤثِّر عليه منقصات صغيرة يمكن معالجتها بالتفاهم المشترك الذي يحقق مصالح البلدين المتعدّدة الأوجه في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والإنسانية والتقنية والتعليمية، إلى جانب العلاقات الأمنية طويلة الأمد والتنسيق لمقاومة العنف والإرهاب في المنطقة والوقوف أمام الزحف الشيوعي إلى مياه الخليج العربي الدافئة وبحر العرب انطلاقًا من أفغانستان!

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها