النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12226 الأربعاء 28 سبتمبر 2022 الموافق 2 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:58PM

كتاب الايام

أبناؤنا.. لغتنا.. ثقافتنا

رابط مختصر
العدد 12136 الخميس 30 يونيو 2022 الموافق 1 ذو الحجة 1443

 تداول المتخصصون بتفصيل علاقة اللغة بالثقافة وعلاقتها بالتفكير، وبينهم إجماع بشأن أهمية دور اللغة في اكتساب الثقافة، حتى شبه البعض الثقافة بالمنزل واللغة بالمفتاح، فقد قال خالد حسيني: «إذا كانت الثقافة منزلًا، فإن اللغة هي مفتاح الباب الأمامي». وقال ريتا ماي براون: «اللغة هي خريطة الطريق للثقافة؛ تخبرك من أين أتى شعبها وإلى أين هم ذاهبون». بل ذهب بنجامين لي وورف في كتابه (اللغة) إلى أن: «الناس لا يعيشون في العالم الموضوعي وحدهم ولا يعيشون بمعزل عن النشاط الاجتماعي كما يُفهم بصفة عامة، ولكنهم (يعيشون) تحت رحمة لغة خاصة صارت وسيلة التعبير لمجتمعهم».

 ولا يخفى علينا ما تردى إليه وضع استعمال اللغة العربية بما هي لغة تعلم وتعليم ولغة تواصل يومي في العالم العربي، ولكن سأخص بالذكر هنا حالتها مع أبنائنا الطلاب في المدارس الخاصة ولا سيما منها تلك التي تعتمد المناهج الأجنبية. إذْ يختار العديد من أولياء الأمور في الدول العربية، تسجيل أولادهم في مدارس خاصة تعتمد اللغة الأجنبية (الإنجليزية والفرنسية.. مثلاً) أداة للتعلم والتعليم.

 وقد لاحظ أولياء الأمور الحريصون على اللغة العربية ضعفا لدى أبنائهم في مختلف المهارات من قراءة وفهم وتحدث وكتابة... وقد أورد موقع صحيفة اللغة العربية صاحبة الجلالة، (وهي صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارات وتصدر عن المجلس الدولي للغة العربية) تقريرًا عن مدى تدهور مستوى تعلم اللغة العربية في المدارس الخاصة؛ حيث أكد عدد من أولياء الامور، كما جاء في التقرير «مدى الضعف الملموس الذي يعاني منه بعض طلاب المدارس الخاصة في اللغة العربية أسوة بطلاب المدارس الحكومية، ويتجلى ذلك في عدم القدرة على القراءة بالشكل الصحيح والضعف في الإملاء والتعبير وأرجعوا سبب ذلك الى عدم اهتمام هذه المدارس باللغة العربية وأساسياتها، كما أنها تصب جام اهتمامها على المواد الأخرى التي تعالج اللغة الانجليزية على حساب اللغة الأم للطلاب...».

وقد يقول قائل: إن هذا طبيعي جدا، إذْ اختيار أولياء الأمور تسجيل أبنائهم في مدارس خاصة تعتمد مناهج أجنبية يحملهم مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من تبعات، ومنها الضعف الحاصل في اكتساب اللغة الأم... لكن هذا ليس مبررا للسكوت عن الظاهرة وخطورتها وآثارها. فقد تفاقمت الظاهرة حتى صار لسان العديد من أبنائنا في المدارس الخاصة غير عربي، بل غدت لغة المحادثة في المدرسة والشارع والبيت لغة أجنبية، عززها الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية التي تعتمد الإنجليزية في معظم تطبيقاتها وبرامجها... فضلاً عن تساهل العائلات داخل البيوت في التحدث مع أبنائهم باللغة الأجنبية، بل والتفاخر أحيانًا بأن أبناءهم لا يتقنون إلا اللغة الأجنبية... 

وبعض هذه المدارس الخاصة المنتصبة في البلاد العربية يأوي إليها الطلاب من جنسيات مختلفة ومنها طبعًا أبناؤنا العرب، غير أن لغة التعلم الصفي تفرض نفسها في المحادثة خارج الصفوف مع هؤلاء الطلاب الأجانب، وكأنه ليس عليهم تعلم لغتنا، وهم المقيمون في بلداننا، وإنما علينا التحدث بلغتهم في نوع من المجاراة أو العيش تحت رحمة لغتهم.. والمصيبة أن بعض أولياء الأمور استحسنوا ذلك ورأوا فيها تمرينًا تواصليًا، بالمجان، لدعم مكتسبات أولادهم في اللغة الأجنبية.. دون أن ينتبهوا إلى أن قدرة أبنائهم على التواصل باللغة العربية قد تلاشىت أو كادت، ومن ثَم تلاشت معها مكتسباتنا الثقافية العربية.

ولأن اللغة، كما أسلفنا، هي البوابة الرئيسية للثقافة بمعناها الواسع، فإننا لا يمكن أن ننتظر من هذه الأجيال من أبنائنا من الأطفال والشباب حرصًا شديدًا على هويتهم ومعرفة تاريخهم وتاريخ آبائهم وأجدادهم وحضارتهم، بل إن بعضهم لا يحسن حتى نطق الاستعاذة أو لفظة الشهادة أحيانًا أو بناء جملة من ثلاث كلمات في أي سياق تواصلي يومي... ومن هنا تتعاظم خطورة الموقف وتتحمل الأسرة والمدرسة وكل ذي صلة بالتعلم مسؤولية أكبر في إنقاذ هذه الأجيال من أبنائنا قبل فوات الأوان.

إن لغتنا العربية هي الوسيلة الأمثل للتعبير عن عناصر ثقافتنا: عن عاداتنا، ومفاهيمنا، وتقاليدنا.. إنها المرآة الحقيقية لثقاتنا، والبوابة الرئيسية لترسيخ هويتنا وتعزيز انتمائنا الوطني والإقليمي والعربي. وباعتبار العدد الكبير من أبنائنا الطلاب العرب في المدارس الخاصة، ونظرًا إلى أهمية اللغة في توجيه التفكير وبناء الشخصية والمحافظة على الهوية الثقافية، فإن مزيدًا من الاهتمام بتعلم اللغة الأم، العربية في سياقنا هذا، يغدو ضرورة ملحة وأولوية قصوى لكل نظام تعليمي عربي ولكل أسرة عربية حتى نضمن توارث عاداتنا وثقافتنا جيلاً بعد جيل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها