النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

مقال ما تمنيت أن أكتبه!! «السعيد» وداعًا..

رابط مختصر
العدد 12129 الخميس 23 يونيو 2022 الموافق 24 ذو القعدة 1443

لم أكن أتصور أني في هذا المكان قد أنعيك، أو أرثي حالي فيك، فأنت منذ قليل كنت معي، تراجع مقالي الأسبوعي وتسدي إليّ النصائح بالهدوء، وأنت منذ قليل كنت المستقبِل الوفي لكل ما أكتب في صحيفتنا الغراء الأيام، نراجع، ونتابع، ونقرر، تضعنا تحت دائرة الضوء، وفي عمق قضايا مجتمعنا البحريني الحبيب، نتلمس منه المشكلات، نمشي وفق أحلامه وتحدياته، ونقيم معه الحدود على الإيجابيات والسلبيات.

لم أكن أتصور أني سأنعيك وأني سوف أخوض في الفراغ وحدي، وأني لن أجد ما يعينني على مشاعري عندما نتجاوز، أو على غفلتي عندما يفلت الزمام، أو على كلماتي وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة باحثة عن نهاية سعيدة.

غادرنا سعيد الحمد الكاتب والصديق، المفكر والفيلسوف، رفيق الأيام الصعبة والمنعطفات الخطيرة، غادرنا فجأة من دون سلام، من دون كلام، من دون وداع أو حتى إشارة بالرحيل.

كنت معه على الواتس آب نتحادث حول مقال عن جائزة الصحافة، عن «كرايتيريا» الإمكان عندما نضع المعايير للعمل الفائز، وللأفق المستنير، لتكافؤ الفرص، أو الموقف غير المحسوم، وكان شديد الدماثة والخلق الرفيع حتى وهو يبدي ملاحظاته على المقال، وهو يريد أن يقول لي لا تكتب هكذا، لكنه كان يقولها بنعم الكبيرة حتى لا يدركني الملل أو يصيبني اليأس، كان كاتبًا يتحرى الدقة، ورسولاً من رسل أمانة الكلمة، وكان عفيفًا عفيًا وهو يقدم برامجه على إذاعة البحرين بصوته المميز الذي لا يتكرر كثيرًا في عالمنا العربي، وفوق هذا وذاك كان رحيمًا بالمقربين، وشجاعًا مع المتباعدين، ومثقفًا فوق العادة مع الذين تأثروا بالحقبة التي تكونت وتشكلت خلالها ملامح شخصيتنا العروبية، كان الصديق والأخ والزميل سعيد الحمد واضحًا، حتى لو اختلفنا معه في بعض القضايا، حتى ولو كتبنا في عكس الاتجاه الذي كان يمضي فيه أحيانًا، وحتى لو صدر عن أي أحد منا كزملاء محبين مقال لا يرضى «السعيد» عنه.

فجأة ومن دون مقدمات وفي صبيحة يوم الثلاثاء الغامض فتحت عيني على رسالة سوداء من الزميل والأخ العزيز الصحفي الأديب كمال الذيب وهو ينعى لي الراحل الكبير، لم أصدّقه، حيث كانت الساعة السابعة صباحًا، وحيث كان ذلك الصباح لا يُنبئ بشيء، وكانت كل المواقع هادئة ولم تصحُ إلا على دموع فراقك يا سعيد، بادرت بالتواصل مع الصديق كمال الذيب فإذا به يؤكد لي صحة الخبر، وإذا بالسيل المنهمر من الأنباء التي ترثي الفقيد، وتدمع لفراقه، وتتمنى له الرحمة ولروحه السلام، وإذا بي لا أسطيع استكمال حتى صحوتي الصباحية، هل أهرب إلى النوم، أم أغادر إلى المجهول؟ هل أتمعّن في الخبر الذي ما زلت لا أصدقه، أم أبدأ في استرداد ما تبقى في صدري من أنفاس حتى أستطيع أن أقدّم واجب العزاء في فقيد الصحافة وفقيد الوطن؟

قبل قليل استعجلتني الزميلة العزيزة زينب في كتابة مقال قد وعدتها به بعد الرحيل، وهأنذا أكتب ما كنت لا أتمنى، أكتب وكأنني كالطير المذبوح فوق ربابته المكلومة لا يستطيع أن يكمل الغناء، فطائر النورس لا يستطيع الكلام، وسربه المحب لا يقبل بأن يتلقى العزاء.

مقال ما تمنيت أن أكتبه، لكنني خضوعًا لطبيعة اللحظة سأكتب، سأكتب عنك كثيرًا، سأتحدث إليك أكثر، فما كان بيننا من ود، من وداع، من دموع كان أكثر وأكثر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها