النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12183 الثلاثاء 16 أغسطس 2022 الموافق 18 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

هل يبقى الممثل للمسرح أم سينتهي دوره؟

رابط مختصر
العدد 12127 الثلاثاء 21 يونيو 2022 الموافق 22 ذو القعدة 1443

إن العنصر الأساسي في المسرح هو الممثل الذي ظل مصدرا للنزاعات حتى صار كاهن الفن، ارتدى وخلع لكنه العنصر الأساسي في المسرح منذ بداياته وحتى قرون قادمة..

وُجد هذا الممثل في ظروف صعبة لم تساعده على التجلي والحضور والإبداع، فصارت كل الأشياء المصطنعة تحول الطاقة الفعالة لديه إلى مادة ميتة، إن الممثل مثل السوبر ماريونيت، مادة بيضاء لا تطفئ ما يوجد فيها، وقد أسهم مخرجون مبدعون مثل فاختنجوخ وتادوش كانتور بإزالة الزيف عن الممثل، وقام ليستراسبورغ وغروتوفسكي باكتشافات مهمة طورت من أداء الممثل. 

ومن المعروف أن جوهر الممثل الطبيعي والواقعي هو المعايشة والذوبان في الدور حتى النهاية، ولقد وقف مايرخولد وتايروف ضد هذا النهج انطلاقًا من أن هذا الذوبان عملية ليس فيها إبداع، لأن العلاقة الحية والفعالة هي المهمة بين الممثل وجمهوره، وهذا أدى بنا ـ بطبيعة الحال ـ إلى أن التمثيل عبارة عن خلاصة الانفعالات الإنسانية وهي التي تؤدي إلى الإبداع وإلى الوصول بنا إلى شكل أشبه بالمعزوفة الموسيقية الرفيعة منه إلى فوتوغرافية الحياة. 

إن تجسيد الممثل لدوره يعتبر رؤية إبداعية تصل بنا إلى الفن المبدع في المسرح، فكل المسرحيين الذين أضاءوا لنا المسرح إضاءة غير تقليدية لم يتخلف عنهم الممثل ولم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، ولأن التجريب تطور على مر الأزمان، كان على الممثل أن يطور من أدوات لغته أيضا.

إن قضية الإيهام والتصوير الفوتوغرافي لم تعد مهمة لدى الممثل، إذ المهم لديه هو أن يؤدي دوره ضمن مسافة دقيقة حتى لا يتعايش مع دوره إلى النهاية.

لم يعد هذا الممثل ممثلاً للطبيعة، وإنما للعمل الفني، رهين رؤية تجوس أعماق الفن والحياة معًا، ولم يعد المسرح مسرحا للنجوم، فالمسرح فن جماعي متجدد، إذ أصبح المسرح يتعامل مع فنانين غير محترفين، هواة وعاشقين للمسرح، ويؤكد هذا التعامل المغاير غروتوفسكي وتادوش كانتور وجوزيف تشاينا، إنهم يتعاملون مع ممثلين هواة، ولكنهم قدموا أعمالاً مهمة للمسرح. 

إن الممثل ونفسه، الممثل ودوره، لم يسخر منهما غروتوفسكي، إنه أعاد تشكيلهما واستلهم منهما وطورهما، فالممثلين عند غروتوفسكي لا يعايشون الدور والشخصية، ولكنهم أيضا لا يعايشون ذواتهم، إنهم يبحثون عن شيء غير مباشر، إنهم يبحثون عن الألم الإنساني الذي تعيشه هذه الشخصية الممثل، ولأن الثراء اللامحدود في أداء ومهنة الممثل لدى مسرح غروتوفسكي وصل إلى أقصى الحدود، كما أصل غروتوفسكي نفسه إلى حيرة، فقد تخطى وتجاوز بهذا الثراء حدود المسرح، فكانت الورشة المسرحية لديه تخطيًا لما كان يسمى بالمسرح، لقد وصل غروتوفسكي إلى الحد الأقصى في التجريب، وصل إلى المسرح الذي يؤدى خارج أطر المبنى، واستطاع أن ينظم لقاءات حية بين ممثليه والناس، وهذه اللقاءات جعلت معمل غروتوفسكي المسرحي موجودًا حيث يوجد هو..

يقول غروغوري: «إن تجربة غروتوفسكي جددت تفكيرنا للمسرح، ربما لم نصل إلى نتائج محددة أو إلى مسرح تقليدي مفهوم، ولكن الإبداع التطبيقي هو الذي سوف يستمر ولوبعد وقت طويل، إن لقائي مع بولندا جعلني أعثر على الحياة، لقد استطعت أن أخلق تواصلا مع الناس، شيء من قبيل الثورة، الثورة الإبداعية وليست السياسية، شيء نقول بأن الحياة تحيا والموت يموت».

كما لعبت الحركة التشكيلية دورًا أساسيًّا في تشكيل الممثل، ولذلك نجد أن تشاينا وكانتور أكثر الذين غيروا في المسرح على مستوى الفن التشكيلي.

إن الصورة البصرية لدى  تشاينا تلعب دورًا أساسيًا في المسرح، إنه يرى الكاتب باعتباره صورة، فالكلمة إذن لديه عنصر يستثير مخيلة السامع حتى تترجم إلى صورة تصل به إلى المسرح، والمسرح لدى تشاينا مسرح بلا إيهام، والممثل أصبح لديه كما لو كان تمثالًا في عملية تشكيلية، إنه حدث، إنه حركة، إنه حالة، إنه يمثل عن طريق تشكيل جسده ويقدم لنا أدوارا عدة مختلفة، وبدون هذه المهارة التشكيلية للجسد يعتبر الممثل مؤديًا تقليديًا.

أما تادوش كانتور فقد وصل إلى قاعدة أساسية، وهي أن الممثل مهما قام بأدواره، في النهاية هو إنسان له مشاعره وطاقاته الإبداعية وحريته في التعبير.

ويرى كانتور إلى أن الممثل لا يستطيع أن يعبر عن كل شيء، لذلك كان يستخدم المانيكان أو التمثال الشمعي باعتباره ممثلًا، ولكنه لا يستغني عن الممثل. 

يقول كانتور: إنه نوع من السذاجة أن أستغني عن الممثل، إنه مادة حية قائمة بذاتها، وتستطيع أن تؤكد كل المعاني التي يود أن يعبر عنها. 

إن ممثلي كانتور كانوا ممثلين له فقط، وكانوا يتشكلون وفق ما يريده هو. 

تقول الباحثة والمحاضرة البولندية باربار آلاسوتسكا: «إن القرن العشرين كان يعتقد أنه يستطيع أن يستغني عن الممثل، ولكن التجربة أثبتت العكس، إذ حتى أكثر التجارب تطورًا وتطرفًا لعزل الممثل والاستغناء عنه فيما بعد هذا القرن لم تستطع أن تخرق حقائق المسرح»..

 وهذا يدفعنا للسؤال: هل نستطيع أن نقول بأن الممثل سوف يتواجد دوره إلى الأبد؟ وهل تستطيع بعض التجارب التي تجتهد في إيجاد خريطة مغايرة للممثل غير الحي أن تصمد طويلاً؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها