النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

الرؤية الإنجلوسكسونية.. هل انتهت صلاحيتها؟

رابط مختصر
العدد 12122 الخميس 16 يونيو 2022 الموافق 17 ذو القعدة 1443

الحرب العالمية الأولى فتحت أبواب العالم للاستعمار الغربي دون منازع، بعد القضاء على المنافس العثماني وتحجيم ألمانيا، وكان معظم قارات العالم تحت هيمنة بريطانيا وفرنسا، ولكن بقيت منطقة عصية على الاستعمار، وهي الحدود السوفياتية التي جاءت بفكر جديد ونمط جديد لإدارة الدولة تناقض النمط التقليدي والنمط الراسمالي - الاستعماري. كانت هذه المنطقة ترعب الاستعمار الغربي، مما جعلها مستهدفة باعتبار أنها العدو الاول. 

عملت بريطانيا، بالذات، الى فتح حرب منهكة بين ألمانيا النازية والدولة السوفييتية بمساعدة الألمان عسكريًا، مما سيساعدها على تطويعهما و تفادي شرهما معًا !!! ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فتفجر بركان الحرب العالمية الثانية وارتداد ألمانيا على بريطانيا وفرنسا وبقاء الدولة السوفييتية محايدة الى أمد قصير حيث وسع الألمان مساحة الحرب لتشمل الأراضي الروسية أساسًا بعد 3 سنوات من الحرب، فاضطر الغرب الى ضم الدولة السوفياتية (العدوة الأولى) الى الحلف مؤقتًا ضد ألمانيا، ليس مساعدة للسوفيات ولكن منعًا للتوسع الألماني في الأراضي الروسية، والنظر في الأمر السوفييتي فيما بعد الحرب، فكانت الحرب الباردة الى انهيار الدولة السوفييتية و تحقق القطب الواحد.

الحرب العالمية الثانية، بعد انتصار الحلفاء بقيادة أمريكية وقطب سوفييتي قوي لم يدم طويلًا، أفرزت منظمتين مميزتين لهما أهداف وأدوار لم يعرفه كامل التاريخ السابق، و هاتان المنظمتان هما نتاج رؤية مستقبلية تهدف الى وضع العالم بكامل خيراته و شعوبه تحت هيمنة فصيل بشري واحد وهو الانجلوسكسونية، أي بريطانيا وأمريكا. مع وضوح الرؤية أن ألمانيا واليابان على طريق الهزيمة المؤكدة، انعقد في أمريكا، في بريتون وودز، مؤتمر في يوليو 1944 دام 22 يومًا بحضور 44 دولة لوضع الخطط من أجل تثبيت نظام مالي عالمي وتشجيع النمو التجاري بين دول العالم، على أن يكون السيادة فيه للدولار الامريكي، أي إن الادارة الفعلية والمصلحة الخالصة لهذا النظام تكون في صالح الولايات المتحدة الامريكية، وبمعنى أدق، فإن الاقتصاد العالمي يكون تحت رحمة أمريكا بعد الهزيمة المؤكدة لألمانيا واليابان، وهذا ما حصل الى يومنا هذ، حيث تتحكم أمريكا في مفاصل الاقتصاد العالمي لصالحها أولاً ولصالح بريطانيا في المقام الثاني. هذه المنظومة المالية الجديدة كانت في حاجة الى درع عسكري يحميها من أي تمرد او خروج على قواعد النظام، او أي منافسة محتملة، فكان ولادة «منظمة حلف شمال الاطلسي» عام 1949، أي بعد 4 سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية. أمريكا وبريطانيا هما الدولتان الرئيسيتان اللتان بادرتا الى إنشاء المنظومة المالية الجديدة لتأمين هيمنتهما على الاقتصاد العالمي، وإنشاء الدرع العسكري «منظمة حلف شمال الاطلسي» لحماية المنظومة المالية، أي تثبيت هيمنة الدولتين على مجمل الاقتصاد العالمي.

الميثاق المكتوب لهذه المنظمة العسكرية الجبارة يحوي في جوهره روحًا تتخطى حدود الكلمات المسطورة بأنها حلف لصد أي هجوم وتوسع سوفييتي في دول غرب أوروبا، لأن الدولة السوفييتية كانت في طور بناء الداخل وميزان القوة يكن لم في صالحها، ولم يكن في وارد السياسة السوفييتية التوسع غربًا، لأن ذلك يعد نهجًا انتحاريًا، وكان هذا الأمر واضحًا. الناتو، وهو الاسم المختصر لمنظمة حلف شمال الاطلسي، لم يكن حلفًا عسكريًا تقليديًا بقاءه مشروط ببقاء التهديد، والدليل إن المنظمة أخذت في التوسع شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحل حلف وارسو، إذ الكل كان يظن أن الدور الوظيفي للناتو قد انتهى مع انتهاء التهديد السوفييتي تحت مظلة حلف وارسو، ولكن هذه التطورات النوعية في تاريخ الصراع بين الشرق و الغرب، وانتهاء الصراع مؤقتًا في صالح الغرب، أثبت أن للناتو وظيفة دائمة وهو درع لنظام مالي عالمي تدير أمريكا من خلاله الاقتصاد العالمي و منها تتحكم في مصير الدول والشعوب، ومعها بريطانيا في المقام الثاني، وهما اليدان اللتان تمسكان بخيوط السياسة والاقتصاد والإعلام في العالم. إن الرؤية الانجلوسكسونية قد كشف عنها الغطاء الرئيس الفرنسي شارل ديغول، حيث احتج على الدور القوي والمنفرد الذي تقوم به أمريكا بمعية بريطانيا في الناتو، وكأن المنظمة ملك لهما فقط. في عام 1958 أرسل ديغول مذكرة الى الرئيس الامريكي دوايت أيزنهاور و رئيس ووزراء بريطانيا هارولد ماكميلان دعا فيها الى إنشاء مديرية ثلاثية الأبعاد تتضمن فرنسا على قدم المساواة مع امريكا وبريطانيا، ولكن جاءه رد غير مرض، مما دفع ديغول الى المبادرة في بناء قوة دفاع مستقلة … وصفقة الغواصات الفرنسية لاستراليا والدور الامريكي والبريطاني لإفشال تلك الصفقة، لأن لها ابعاد اقتصادية وعسكرية ليستا في صالح العائلة الانجلوسكسونية … اليوم، ومنذ مذكرة ديغول عام 1958، فرنسا تقف وحيدة وعاجزة أمام العائلة الانجلوسكسونية، بينما بقية أعضاء الناتو أضعف من أن تحرك ساكنًا او من أن تعبِّر عن رغبة في المساواة مع أمريكا وبريطانيا. 

الدولار كان هو عصب النظام المالي العالمي، إلا أن الدولار منذ طلاقه من الذهب في بداية سبعينيات القرن الماضي، و بعد انفصاله عن البترول مع بداية القرن الواحد و العشرين، أخذ بريقه يخفت و الدول تتوجس منه، وبالأخص مع الاستخدام المفرط للعقوبات المالية والاقتصادية من قبل أمريكا على العدو والصديق و التهديد بعدم دفع الديون المتراكمة عليها، مما يعني أن أمريكا ومن ورائها بريطانيا أخذتا تكشران عن أنيابهما أمام الدول والشعوب، بسلاح العقوبات الاقتصادية مرة و بالابتزاز العسكري مرة أخرى … 

هذه التطورات ترفع الستار عن الرؤية الحقيقية الكامنة من إنشاء «نظام مالي عالمي» و «منظمة حلف شمال الاطلسي» بعد الحرب العالمية الثانية، وجغرافيًا شمال الاطلسي هو بشكل واضح يضم بريطانيا وأمريكا، و حتى الاسم لم يأتِ عبثًا بل جاء منسجمًا مع رؤية العائلة الانجلوسكسونية. 

اليوم تعيش هذه الرؤية، التي كانت تطير بها جناحي أمريكا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية الى اليوم، مأزقًا مصيريًا مع تصاعد أزمة الدولار العصية على الحل، و تنامي اقتصاديات قوية في الصين والهند مع إمكانيات اقتصادية قوية في دول أخرى وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وحدوث تغير ملموس في ميزان القوة العسكرية تشل من قدرة أمريكا و بريطانيا في صدها، والأهم من الكل هو فقدان هذه الرؤية الانجلوسكسونية مصداقيتها بين الشعوب والدول بما في ذلك أعضاء الناتو خارج العائلة الانجلوسكسونية. مع اشتداد الصراع والمواجهة غير المباشرة، الى الآن، بين أمريكا وبريطانيا من جهة، وروسيا و الصين من جهة أخرى ووقوف بقية دول العالم، بمن فيهم أعضاء في الناتو يشاهدون مسرح الصراع بتوجس و حذر، فإن العالم يترقب وضعًا عالميًا جديدًا أكثر واقعيًا و أكثر أمنًا وسلامًا، وبعيدًا عن رؤى خفية تحتكر خيرات العالم وتشل إرادة الشعوب … شعوب العالم شاهدة على انقلاب عالمي لم يسبق له مثيل، وإن العولمة الحقيقية التي، من المؤمل، أن يقطف ثمارها الجميع هي الرغبة الجامعة بين شعوب العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها