النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12230 الأحد 2 أكتوبر 2022 الموافق 6 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:23PM
  • العشاء
    4:11PM

كتاب الايام

فولوديمير زيلينسكي

رابط مختصر
العدد 12118 الأحد 12 يونيو 2022 الموافق 13 ذو القعدة 1443

   من الطبيعي أن يكون الطموح لدى شعب ما من شعوب الأرض أن تشهد بلاده تطورًا اقتصاديًا ينعكس إيجابًا على الحياة الاجتماعية والأمنية، وهما النسقان اللذان تتأثر بهما سائر الأنساق الأخرى سلبًا أو إيجابًا، خاصة مع وصول رئيس جديد إلى سدة الحكم بالطرق السلمية، أسواء تم ذلك عبر انتخابات ديمقراطية كما يحدث في الدول الرأسمالية أم من خلال توارث عروش الحكم في الأنظمة الملكية مثل دول مجلس التعاون أم بغيرها من الآليات غير السلمية كالانقلابات العسكرية والثورات الشعبية الدموية وتدخلات الدول الكبرى في تغيير الأنظمة الديكتاتورية مثلما حدث في العراق. 

   الشعب الأوكراني، الذي يعيش اليوم مأساته العصيبة وحربه الطاحنة، ليس استثناءً من هذه الحالة. فعندما نجح فولوديمير زيلينسكي في انتخابات عام 2019 وأصبح رئيسًا لأوكرانيا بعدما كان ممثلاً، وكان من أهم أدواره التمثيلية التي خلقت له شعبية ساهمت في أن يكون رئيسًا لأوكرانيا دور البطولة في مسلسل تلفزيوني «خادم الشعب» الذي استمر عرضه من عام 2015 إلى 2019، اتجهت أنظار الأوكرانيين، وقد كان مجتمعهم يعيش صراعًا بين تيارين غربي يميل إلى الانضمام إلى أوروبا وحلف الناتو وشرقي يميل إلى توثيق علاقاته بموسكو أو إلى بيئته وثقافته وحضارته السلوفاكية، إلى زيلينسكي ليكون الشخص الذي سيعمل على تخليص أوكرانيا من مشاكلها الاقتصادية ويفتح آفاق تطورها، خاصة وأن لهذه الجمهورية السوفياتية السابقة مقومات قوة اقتصادية واعدة.

   والسؤال الجوهري هنا، هل نجح الرئيس زيلينسكي في أن يحقق للشعب الأوكراني طموحه في حياة رغيدة، ويوفر له الأمن والاستقرار؟ وفي ظني أن ثمة سؤال آخر ينبغي أن يسبق هذا السؤال تؤسس عليه إجابة السؤال الأول وهو: هل توافرت للرئيس فولوديمير زيلينسكي الأسباب لينأى ببلده عن المشكلات المترتبة على موقعه الجيوسياسي لتوفير البيئة الصحية للبناء والتننمية؟ دعونا نرى!

   جاء فولوديمير زيلينسكي إلى الحكم 2019، وقد كانت شبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا الاتحادية قد تحدد وضعها القانوني في عام 2014، وكان ينبغي ألا يخرج القرار الأوكراني عن واحد من الخيارين الآتيين؛ فإما التسليم بهذا الواقع أو الدخول في مفاوضات مع الدولة الروسية، بعد إعادة بناء ما أضرت به حرب 2014، غير أن زيلينسكي ذهب إلى اختيار ثالث غير محسوب العواقب؛ إذ اختار بدلاً من الحوار مع الجار الروسي أن يوطد علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية الغريم التقليدي للجار الروسي، وهي التي عشمته لينال عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وراح الرئيس الأوكراني يبني علاقات غير ودية مع روسيا والقومية الروسية في أوكرانيا عامة وفي شرق أوكرانيا على وجه الخصوص. وهذا التوجه كان له وقع غير مقبول في ردهات الكرملين لأن فيه تحديًا صارخًا للاتفاقات التي كانت تقضي بحيادية أوكرانيا على غرار فنلندا والسويد.. الشيء الوحيد الذي يفسر عدم مقبولية التزام أوكرانيا الحياد في سياستها الدولية هو استفحال المد الشعبوي الذي وجد في تنامي النزعة القومية لدى الأوكرانيين بعد العام 2014 ضالته.

   السياسة التي بدأت تتمرد على اتخاذ الحياد نهجًا سياسيًا، والتي بدأها زيلينسكي منذ وصوله إلى السلطة، فسرتها روسيا سلوكًا عدائيًا يؤسس لجلب المخاطر الأمنية إلى حدود الدولة الروسية مما يشكل تهديدًا وجوديًا لها، فراحت تتخذ تدابيرها الأمنية لمنع هذا التهديد، مع الإصرار على تأكيد أن تبقى أوكرانيا على الحياد، إلى أن حلت ساعة الصفر في 24 فبراير وقامت روسيا بعمليتها العسكرية التي كانت في البداية محدودة، ولا يبدو الآن أنها محدودة. وها هو زيلينسكي يستصرخ دول العالم المساعدة بفرض نوع المساعدة ضاربًا عرض الحائط مآلات السلم الأهلي ناسجًا أوهام انتصار على آلة عسكرية ضخمة لم تزدها طلعات زيلنسكي الاستعراضية منذ ما قبل «آزوف ستال» إلى ما بعد مصنع «أزوت» إلا عنادًا وإصرارًا روسيا على سحق كل مقاومة ليُضمن بالسلاح ما لم يُضمن بالقنوات الدبلوماسية.

   وبالعودة إلى سؤالنا الأول الذي طرحناه نقول إنه كان أمام الرئيس زيلينسكي الوقت الكافي ليتخذ قراره بالتزام الحياد نهجًا وعدم السعي لأن يكون عضوًا في اتحاد أوروبي كان يكفيه أن يقنع معه بوضع الشريك المتقدم، ولأن ينضم إلى حلف شمال الأطلسي انضمام يُعد بحساب السياسة والعقل حلمًا مستحيل الوقوع. لقد كانت أمام زيلنسكي فرصة تاريخية ليكون بطل سلام وحوار مع الجار الروسي خصوصًا وأن الشعبين في البلدين، روسيا وأوكرانيا، بينهما روابط ثقافية وحضارية؛ فهما من جذور عرقية واحدة، وكانا من أكبر البلدان المشكلة للاتحاد السوفيتي السابق. هذا فضلاً عن أن مطالب روسيا قبل العملية العسكرية لم تكن مستفزة؛ فالوقوف على الحياد، الذي كان واحدًا من مطالب ثلاثة، أمر منطقي، فهناك فنلندا والسويد اللتان لم تعقهما سياسة الحياد، قبل الحرب، من أن تكونا من أكثر الدول الأوروبية تقدمًا في كل النواحي. كما لم يعق ألمانيا الاتحادية، مدنية صناعتها قبل قراراها بتخصيص ميزانية مليارية للإنتاج العسكري. الفرق الأوحد بين زيلنسكي والدول التي ذكرت ضيق الأفق السياسي وانعدام الوعي بأن قيادة الدول في الواقع تختلف عن دور البطولة التمثيلية التي أغراه به كاتب السيناريو الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهيمنة الشعبوية على تفكير الرئيس الأوكراني. 

   لقد أدخل فولوديمير زيلينسكي بسياسته الخرقاء العالم، وليس بلده فحسب، في خطر مواجهة عالمية لن تبقي ولن تذر، وحتى إذا ما قُدر لهذه المواجهة أن لا تحدث بالسلاح، فإنها قد بدأت بالغذاء والطاقة، وستكون لها حتما آثار كارثية في العالم كله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها