النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12183 الثلاثاء 16 أغسطس 2022 الموافق 18 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

عن حرب أوكرانيا وما بعدها

رابط مختصر
العدد 12111 الأحد 5 يونيو 2022 الموافق 5 ذو القعدة 1443

  • أمريكا وبريطانيا على سبيل المثال لا يتمنيان نهاية لهذه الحرب إلا بنهاية القوة التي تمثلها روسيا

 

 بداية كان الاعتقاد السائد لدى بعضهم أن الحرب في أوكرانيا مسألة تهم الأوكرانيين والروس وبالتالي فهي حرب تدور مجرياتها في جغرافيا محددة ومحدودة، غير أن تتابع الأحداث بشكلها العسكري الدراماتيكي المتسارع حشر الأوروبيين أنفسهم كدول تشكل الاتحاد الأوروبي ضمن هذه الحرب في سائر أطوارها، وإذا شئنا دقة أكثر نقول إن دول الاتحاد الأوروبي حشرت نفسها في هذه الحرب تارة تحت يافطة الخطر الروسي الداهم الذي يهدد الأمن الأوروبي، وتارة أخرى تحت يافطة حقوق الإنسان والمحافظة على الديمقراطية الناشئة في أوكرانيا أمام المستبد الروسي بوتين بحسب توصيفات الإعلام الغربي، وطورًا آخر برفع شعار جرائم حرب ارتكبها الغازي الروسي في الأراضي الأكرانية.

 كل هذا طبعًا يتم بمباركة أمريكية وبتشجيع ونصح وقيادة من الولايات المتحدة الأمريكية، فتتالت العقوبات وبلغت في بعض الأحيان حد المهزلة حين مُنع فنانون روس من اعتلاء المسارح واشترط عليهم إعلان إدانتهم لما تقوم به دولتهم كي ينعموا بجواز عبور ديمقراطي إلى جماهيرهم، أو حين سُحبت مصنفات من الأدب الروسي من مقررات بعض الجامعات الإيطالية. وبعد تجاوز مرحلة العقوبات الاستعراضية الهزلية انهالت العقوبات الاقتصادية التي وُصفت بالموجعة على أمل أن توقع أشد الألم بالاقتصاد الروسي وتحد من قدرته على تمويل المجهود الحربي الروسي، ثم جاءت بعدها هبات مالية وعسكرية سخية لفولوديمير زيلنسكي وحكومته جعلت حلف الناتو يتموقع على خريطة الحرب، لا لمواجهة القوات الروسية والدفاع عن أوكرانيا، وإنما لإغراقها بالسلاح طمعًا في إضعاف روسيا والنيل من جيشها وتفوقه اللوجستي في حرب يعلم الجميع أنها غير متكافئة منذ البداية.

 دول الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبهدف التأثير في المجتمع الروسي وفي دول العالم زعموا أن العالم كله ضد روسيا، فما كان من روسيا إلا أن استحضرت مقولة القديس أثناسيوس الإسكندري التي قيل له فيها إن العالم كله ضدك فقال وأنا ضد العالم؛ لتقول لأمريكا ومن خلفها أوروبا وأنا ضدكم. روسيا أعلنت قبل شنها العملية العسكرية أنها عملية محدودة وبأهداف محددة، وكان من أحد أهم أهدافها تحييد أوكرانيا ومنع وصول الناتو إلى حدود روسيا الاتحادية بعد أن استثمر هذا الحلف سنوات التراجع الروسي ليتوسع شرقًا إلى الحدود الروسية، وكان متيسرًا جدًا تلافي وقوع هذه الحرب لو أن دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا تفهموا قلق روسيا من اقتراب الناتو من حدودها. 

 دخلت الحرب شهرها الرابع ولا يوجد في الأفق المنظور ما يوحي بوشوك انتهائها، فقبل تدخل حلف شمال الأطلسي في الحرب الدائرة كانت الأخبار وأحاديث الناس تدور حول قتلى الحرب وعمّا احتلّ من الأراضي الأوكرانية، ما يعني أن الخطر كان محصورًا في بقعة واحدة من العالم ويمكن السيطرة عليه عبر المفاوضات بين طرفين، أما اليوم، وبعد أن تمادى الحلف في التدخل بالحرب الدائرة، وأرسل إشارات سيئة جدًا إلى الروس من خلال العمل على ضم دول البلطيق إلى حلف الناتو، ومن خلال العمل على ضرب صادرات روسيا من، فإن الحديث صار يدور عن إفقار دول وعن خطر الجوع المحدق الذي بات يهدد المجتمعات في العالم بسبب تعطل سلاسل الإنتاج وتوقف تصدير القمح والحبوب والزيوت وعن الأمن العالمي الذي إن تعرض للخطر النووي فقل على العالم السلام.

 في أتون هذه الحرب الصعبة على الأوكرانيين وعلى الروس، وعلى من يملك حسًا إنسانيًا يستشعر من خلاله معاناة الأطراف المتحاربة هناك، ثمة سؤال جوهري يطرح، وهو هل من نهاية لهذه الحرب؟ في اعتقادي إن وضع نهاية لمجريات هذه الحرب بيد الرئيس زيلينسكي، وليس الأمر بيد أمريكا ولا الاتحاد الأوروبي ولا حتى روسيا؛ فزيلينسكي وبدلاً من أن يوجه نداءات المساعدة إلى دول الغرب، وبدلاً من أن يقوّم حالة جيشه في مواجهة جيش من أقوى جيوش العالم بقول مفهوم كأن يقول «أوضاع الجيش في ماريوبول صعبة»، عليه أن يتصرف بشكل آخر، فأمريكا وبريطانيا على سبيل المثال لا يتمنيان نهاية لهذه الحرب إلا بنهاية القوة التي تمثلها روسيا في وجه حلف الناتو. ويقينا أن هذه الحرب ليست عبثية على أي حال، ومن يقول غير ذلك فهو غير مصيب... فهذه الحرب بالنسبة إلى روسيا حرب وجود؛ فمتى ما قرر زيلينسكي أن يكف الأذى عن شعبه مثلما جلبه له، فإنه قادر على ذلك، ولا يتطلب منه الأمر إلا أن يطلب من أمريكا ومن خلفها حلف الناتو - إذا قبلوا منه الطلب - بعدم إرسال أسلحة هجومية، وطلب بدلاً من ذلك مفاوضات مباشرة مع روسيا؛ لإيجاد حلول لأمن دائم بين البلدين الجارين.

 رغم قسوة هذه الحرب والمخاوف من تحولها إلى حرب كونية ثالثة فإن نهايتها، في ظني، تبشر بأن العالم لن يكون كما كان قبلها، فستتهاوى أحلاف وتجمعات إقليمية وتنشأ أحلاف أخرى بديلة، وستتغير موازين القوى في سبيل أراه سائرًا في اتجاه إيقاف مهزلة القطبية الأحادية التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تصول وتجول في العالم شرقًا وغربًا وعلى دوله الإذعان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها