النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

مظفر النواب كتلة جمر وشعره لهيب نار

رابط مختصر
العدد 12108 الخميس 2 يونيو 2022 الموافق 2 ذو القعدة 1443

  • رحم الـله فارس النضال، حبيب المناضلين والمظلومين، ابن الرافدين وزهرة أرض الحضارات

 

غاب عن ساحة الشعر والنضال شاعر ليس كبقية الشعراء، ومناضل ذو بصمة مميزة بارزة بين أقرانه في ساحات الصراع الفكري والسياسي. شعره نار ملتهبة تنطق به روحه وهي كتلة جمر لاسعة، يندفع بشعره في ساحة الوغي مثل الفارس بيده سيفه يخترق صفوف الاعداء ويكر به تقطيعًا وتمثيلًا باعدائه، ولا يبالي اذا لطخ دمهم المتفجر بفعل السيف وجوه ابرياء يحيطون بعدوّه.. غاب المناضل الشاعر مظفر النواب تاركًا ثروة غنية مجدية من ذخيرة «إن لي أمنيةً أن يَسْقُطَ القمعُ..» (من قصيدة «ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة»)، يقات عليها رفاقه وهم يتابعون النضال الفكري والاجتماعي والسياسي من أجل إسقاط القمع بجميع اشكاله وألوانه وعناصر مادته.

غني عن التعريف، فهو حاضر في ذهن كل مناضل ومثقف عربي من مختلف التوجهات وحتى ممن لا يتفق مع اتجاهاته السياسية، والكتب التي كتبت عنه أكثر مما ألف من دواوين الشعر، فعطاؤه الشعري ذو جودة حرارية الطابع اجتذبت اليه مؤلفات ومقالات كثيرة تتحدث عنه وعن اشعاره وعن معاناته ونضاله الثوري وهو يسجل بقلم من رصاص الجمر.. بين جميع شعراء النضال ليس من شعر ناري يتصاعد لهيبه مثل شعر مظفر النواب، شعر يبتغي من شعره حرق أصنام القمع والفساد..

مظفر النواب إنسان أدى دوره النضالي - الانساني بمقتضى ما كان يؤمن به ويشعر به وما ألزم نفسه به، وبأدواته الادبية التي كانت أمض من السيف، وجاء موعده للراحة الابدية بعد ان أعطى كل عمره خدمة للقضية التي آمن بها وشعر بأنه من الواجب الالتزام بها والنضال الفكري من أجلها بأدوات الشعر، وجعل من شعره سيفًا، ساحته الكر والفر وليس الحب والغزل.. كان كتلة جمر وشعره لهيب نار حارقة. هذه الكلمات مفخرة لنا وليست مرثاة له، فالحي لا يرثى، فالغرض من المقال الفخر به وليس الرثاء عليه.

شاعرنا المناضل إنسان في المقام الاول، شأنه شأن كل انسان على هذه المعمورة، وهو عقل وقلب، وفكر وشعور، وصعود ونزول، انجازات واخفاقات، صواب وزلات، وهو في هذا التفاعل من المتناقضات يصيب قلمه في موقع وقد يزل قلمه في موقع لم يكن في الحسبان، وكل زلة كبوة.

كبوته أن عقله، في بعض المقاصد من الشعر، كان يستشير قلبه قبل أن يسل سيف الشعر من غمد الأدب، ويكر به على اعدائه دون رحمة ولا اعتبار لمن لا شأن لهم بطعنات سيفه، فكان يستهدف العدو ويجرح من هم حول العدو دون وعي منه بأنه قد تطاول على من لا حق له عليهم.. ولأني أفخر به في مقام هذا المقال ولا أرثي عليه، فبامكاني ان أدخل باب العتب عليه، لأن الكبوة كانت صارخة. هذه الكبوة، وهي اقرب الى الشتيمة، حملتني واجب العتب عليه.. والعتاب في ثوب النقد الهادف وليس النقد الجارح..في قصيدته التي سلبت الالباب واشعلت مشاعر السامع والقارئ، وانتشرت كالنار في الهشيم وصارت عند المناضلين والمؤيدين وكثير من المثقفين ايقونة شعر النضال، ولكن رغم هذه المكانة الشعبية المنقطعة النظير، الا أنه لم يراعِ فيها أصول الاعتبار واحترام المقام لمكانة الامهات، عندما فكر بقلبه الملتهب وخط بقلمه المرتجف قصيدة «القدس عروس عروبتكم» وفجرها بقنبلة ليست من الادب، عندما دس في القصيدة قنبلة «يا ابناء القحبة».. كتأثير القنابل في الجسد، فإن هذه القنبلة المدسوسة في القصيدة قد جرحت مكانة الشاعر في نفسي، ورغم الجرح فإن مكانته محفوظة لعلمي ان الشاعر أطلق قنبلته وهو في حالة أشبه بهلوسة الغضب، والغضبُ يُحَمِّلُ صاحب النية الطيبة جريرة النية السيئة. في نفس القصيدة قنبلته الثانية وهي «إن حظيرة خنزير.. أطهر من أطهركم..» أقوى تاثيرًا وأثرًا من القنبلة الاولى، وتتلاءم ومقاصد الشاعر المناضل وهو يخوض غمار صراع أبدي بين «الملاك والشيطان».. وحبذا لو انه اكتفى بالقنبلة الثانية وابطل مفعول القنبلة الاولى وألقى رميمها في سلة النسيان..

مكانة الأم عظيمة حتى وإن كان الابن دنيئا.. إن كان الابن دنيئًا وعبدًا للرذيلة فما ذنب الأم حتى تدان برذيلة الزنا وتلقب «قحبة»؟!!! كان على الشاعر أن يدرك بعقله ويشعر بقلبه ان الأم كالملاك بريئة من دسائس الشيطان، وهذا هو المتوقع من شاعر مناضل سلاحه أدب الشعر. وكم من أمٍّ ملاكٍ ولدت شيطانًا رجيمًا!!!

ليس متوقعًا هذا من المثقف الملتزم ومن الاديب ومن المناضل خاصة، ولا حتى من ابسط الناس علمًا ومعرفة.. الكلمة تحمل صاحبها مسئولية كبيرة، وتدينه اذا كانت في غير موضعها وتتعدى بمعانيها ومقاصدها على من ليس لهم في امر صاحب الكلمة لا ناقة ولا جمل.. لقد حَمَّلَ الشاعر نفسه ذنبًا دون ان يدري ولا يقصد، رغم براءته وطهارة مقصده، ولكنه زلة الفكر عندما يسترشد بالقلب.. حبذا لو انه سار على نهج ما سطر في قصيدة «قمم» وعبر عن المعنى الذي أراده بعبارة «وأهْبَلَتْكمْ أمُّكمْ.. هذا دمٌ أَمْ ليْسَ دَمْ؟؟!..»، أي ثكلتكم امهاتكم.

رحم الله فارس النضال، حبيب المناضلين والمظلومين، ابن الرافدين وزهرة أرض الحضارات وحارث تربة النضال.. ستفتخر به التربة التي تحتضنه بعد عودة ترابه الى أمه التراب.. ويحق فيه قول «السلام عليك.. يوم ولدت.. ويوم عانيت.. ويوم ناضلت.. ويوم تموت.. وتبقى حيّا» فهو حي بروحه بيننا...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها