النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

لبنان.. فرصة للنجاة

رابط مختصر
العدد 12103 السبت 28 مايو 2022 الموافق 27 شوال 1443

 

ربما يكون أحد أهم مخرجات الانتخابية النيابية الأخيرة في لبنان هي أنها برهنت مرة أخرى وبشكل أوضح على عدم رضى الأجيال الجديدة من اللبنانيين على نظام المحاصصة السياسية المبني على أساس طائفي، وعن رفض هذه الأجيال للطائفية والتطرف، بعد أن تأكدت من أن طريقها لإعادة إعمار بلدها يمر عبر السماح فقط للأكفاء القادرين على حمل المسؤولية بالوصول إلى المناصب، بصرف النظر عن أي شيء آخر.

لكن في الوقت ذاته، ورغم أن هذه الانتخابات أثبتت نجاح المعارضة كأحزاب وأفراد في زيادة المكاسب وتحقيق نسبة لا يستهان بها في البرلمان، إلا أنه لا يجب أن نسمح للتفاؤل بأن يجرفنا بعيدًا عن الواقع، فحزب الله لا زال موجودًا في البرلمان والحكومة، وقادر على فرض إرادته على لبنان واللبنانيين، إما عن طريق استغلال المؤسسات الدستورية، أو عن طريق السلاح إن لزم الأمر.

وقد كنت دائمًا اعتقد أن أي حزب أو حركة أو تجمع سياسي في لبنان سيعود يومًا ما إلى رشده ويتخلى عن أفكاره البالية التي ترتكز على جمع الأنصار حوله من خلال تقديم المغريات لهم من جهة وتخويفهم من الآخر من جهة أخرى، خاصة وأن لبنان عانى ولا زال يعاني الأمرين، والأوضاع في تدهور متسارع وتزداد سوءًا كل يوم، ولا بصيص أمل يلوح في الأفق.

فلبنان لا يحتاج إلى أكثر من إعادة النظر في أولويات أحزابه وطوائفه، وأنا اعتقد أن هذا كافٍ كي يعود الجميع إلى وعيه والتفكير ليس في مصلحته الآنية فقط إنما في مصلحته المستقبلية، ولا أعلم هل تأخرت بعض الأحزاب بأخذ القرار في هذه الأمور أم لا، لكن الظاهر أن أيًا منها لم ينجح في تنفيذ أي برنامج حقيقي تنموي لمصلحة لبنان واللبنانيين، ورغم أني لا اعتقد أن هناك من يريد إذلال اللبنانيين وتفقيرهم، إلا أن هذا ما حدث بالفعل على أرض الواقع.

ولا أعلم أيضًا إن كان من مصلحة أي جهة تأخذ أوامرها من الخارج أن يكون قويًا وناجحًا قادرًا على إدارة وتدبر أموره بنفسه كبلد مستقل، لأنه في هذه الحالة ستقوى الدولة في لبنان، وتفرض هيبتها، وتصبح قادرة على حصر السلاح بيدها وحدها، وهذا طبعًا لن يروق للبعض ولا يريدونه.

لأن الأحزاب والحركات المتطرفة أساسًا تظهر وتمدد في الدول الفاشلة الضعيفة، كما يحدث في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، وتتغذى هذه الأحزاب على استدامة الصراع وإثارة الفتن والنعرات، وتحشد اتباعها على هذا الأساس، وتفرض رأيها على الحكومة الشرعية، وتنهب الموارد والثروات، وتصبح دولة داخل دولة.

وأرى أن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان قد جاءت في وقت مناسب دوليًا، حيث تنشغل الدول الكبرى في الحرب الروسية في أوكرانيا وتبعاتها على أوروبا والولايات المتحدة تحديدًا، وبعد أن لم تثبت المبادرة الفرنسية التي طرحها الرئيس ماكرون جدواها في وضع لبنان على طريق الازدهار من جديد، حيث يبقى الأمل الوحيد والحقيق للبنان في أشقائه العرب ودول الخليج العربي تحديدًا.

هذه الدول أثبتت عبر تاريخ لبنان الحديث أنها مع أمن وازدهار واستقراره، فطالما أمدته بالعون والمعونة، ووقفت إلى جواره، وأسهمت في إيقاف حربه الأهلية ونزاعاته وإخماد فتنه، وفي كل مرة تتعالى على إساءات بعض الساسة اللبنانيين وتعود وتحتضن لبنان ككل، فلبنان واللبنانيين لهم قيمة ومكانة مميزة في جميع دول العالم، وخاصة في الدول الخليجية.

نتائج الانتخابات التي شهدها لبنان مؤخرًا حملت مفاجأة لكثيرين، فعلى الرغم من التوقعات بإمكانية وصول بعض من وصفوا بـ»المرشحين التغييريين» إلى البرلمان، إلا أن أحدًا لم يكن يتوقع أن يكون عدد من وصل منهم كبيرًا إلى هذا الحد، فقد نجح المرشحون المصنفون على أنهم مرشحو «ثورة 17 تشرين»، وهو الاسم المعتمد في لبنان للحديث عن التحركات الاحتجاجية الواسعة التي انطلقت في أكتوبر أو تشرين الأول، ضد السلطات اللبنانية وكافة الأحزاب من دون استثناء، في الفوز بمقاعد في البرلمان على حساب مرشحين خاضوا الانتخابات على لوائح «أحزاب السلطة».

هذا يؤكد على أن جذوة ثورة 17 تشرين لم تخمد في صدور اللبنانين، وأن الشباب اللبناني الذي لم يجد نفعًا من تظاهره في الشوارع آنذاك لم ييأس، بل اختار هذه المرة طريق السياسة والديمقراطية في التعبير عن وجهة نظره، ونقل المعركة من الشوارع والنقابات والجامعات إلى داخل المجلس النيابي، والمطلوب اليوم من النواب الجدد الذين وصلوا إلى البرلمان بأصوات الشباب أن يبحثوا عن أرضية عمل مشتركة تضمن بقائهم أمناء على أهداف الثورة وأن يعملوا فقط لمصلحة لبنان واللبنانيين.

المطلوب منهم أيضًا ألا يصطفون جانب جهة سياسية معينة ضد أخرى، وألا يدخلوا في أي تحالف سياسي مع أي قوى من قوى السلطة، لكن لا بأس في الوقت نفسه من تحالفات مؤقتة بحسب المشروع الذي يريدون تقديمه. خاصة وأن تركيبة قوى المعارضة في لبنان معقدة بعض الشيء، ويختلف حجمها بحسب طريقة احتسابها، وأولئك المنضوون تحت لوائها ليسوا كتلة موحدة تلتقي آراؤها حول جميع المسائل السياسية والأيديولوجية والحقوقية والاقتصادية، لكن المهم الآن أن يبقوا متحدين خلف لبنان، وألا يسمحوا لأحد بأن يفتتهم.

وكثير من الملفات الكبيرة تنتظر برلمان لبنان الجديد، في مقدمتها التعامل مع الأزمة الاقتصادية وتبعاتها، ووضع خطط الاقتصاد المستقبلي، والملف الآخر الذي يرتبط بالملف الأول ولا يقل عنه أهمية هو العمل على استعادة الصورة المشرقة للبنان واللبنانيين في أنظار العالم.

يجب أن تتعلم المعارضة درس العام 2016 عندما قررت التضحية من أجل إنهاء حالة خلو منصب رئيس الجمهورية وتسهيل وصول العماد ميشال عون لهذا المنصب على أمل أن يكون فعلًا «بَيْ الكل» وينتشل لبنان من محنته، لكنه وحلفاءه فشلوا في إخراج لبنان من محنته، بل زادت الأوضاع سوءًا.

إنني ارتعش خوفًا مما قد يحصل إن لم تقبل القوى السياسة أن تعيد تفكيرها وتأخذ موافق أكثر جدية والتزامًا بمصلحة لبنان، واليوم نحن أمام فرصة، فهل يستطيع لبنان أن يعبر هذه المرحلة الصعبة وهذا الامتحان الجديد إلى بحر التغيير والأمان؟

 

* رئيس مجلس إدارة مجموعة برموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها